هل ثـمّة مـسرح خـارج الأفق الآدمي للبشر؟ 

هل ثـمّة مـسرح خـارج الأفق الآدمي للبشر؟ 

أو كيف أخطأ المسرحيون !

حاتم التليلي محمودي 

من وجهة نظر مسرحية، يجب أن لا نصدّق تلك السردية القائلة بأنّنا تحوّلنا إلى مجرّد كائنات افتراضية رغم الثورة الرقمية التي خيّمت على العالم بأسره. أمّا أن نسلّم بهذا الأمر فمحض تحريف دمويّ من شأنه تقطيع أوصال الفنّ المسرحي والزجّ به داخل تابوت نهايته. ليس من شأن هذا الفنّ الإيمان بوجوده خارج أفق الدم والقصد من هذا تعلّقه الأبدي بالآدمية، إنّه وليد القلق البشري منذ أوّل قربان تمّ توقيعه باسمه، ومنذ أن أصبح الممثل هو البديل المتعالي لهذا القربان، ومنذ أن تمّ تسطير وجوده بين المجموعات الاجتماعية. أن نتحدث اليوم عن مسرح رقمي يعني أننا نسجّل في معرض الوداع ذلك اللقاء الحيّ بين الأنا والآخر ويعني أننا إزاء تهجين هذا الفن بإبعاده عن مهماته الحقيقية. إنّ الحقيقة المريعة التي يسعى المسرحيون إلى إغفالها هو أنّ الفنّ المسرحي فنّ بطيء، سلحفاتي الحركة، أمّا عمره فأكبر زمنا من عمر الإله التوحيدي حتّى، ولذلك فليس من شأنه الركض وراء حياة البشر المتسارعة نتيجة التقنية والمنعطفات التكنولوجية المرعبة، بل إنّ مهمته الحقيقية تكمن في مسرحة فواجع هذه الحياة عينها.

في حالة كهذه، صار يجب توجيه النقد اللاذع ضدّ كلّ إدعاء من شأنه الدفاع عن المسرحيين لا المسرح، فهؤلاء لن يتورّعوا إطلاقا في الدفاع عن وجودهم الخاص أمام تخليهم عن هذا الفن. وكثيرة هي الوقائع التي تكشف عن حجم الخراب الذي ألحقه المسرحيون بالفنّ المسرحي، ولنا في مثال ليس بعيدا عن عصرنا، منذ سنتين ونصف تقريبا، أفضل تدليل على ذلك. لقد كان السؤال المريع الذّي فجّر النقاش بين المسرحيين يدور في فلك الاستشكال التالي: هل تكون التقنية بديلا في ضوء تجميد الفضاء العمومي نتيجة الوباء الأخير؟ ولكن سرعان ما تمّ تجميد هذا السّؤال إذ عادت الحياة نسبيا إلى الفنّ المسرحي بعودة المهرجانات والفعاليات المسرحية. 

سؤال كان من الممكن أن يكون حاسما في تاريخ الفنّ المسرحي ومصيره بالإجهاز عليه: إنّ مجرّد طرحه ووضعه محلّ إمكانية قد يكشف عن رغبة هائلة من المسرحيين في الاستمرار ولو بشكل يفضي إلى “تحريف الفنّ المسرحي” أو إفراغه من جوهره. 

لقد ولد هذا الفنّ من قلق البشر. ولهذا، فإنّ مهمّته الحقيقيّة تكمن في طمأنة الإنسانية. ولكن، كيف له أن يحقّق ذلك والحال أنّه مشطوبا من الوجود بعودة النّوع البشري إلى البيت وفراغ المدن من حركة الإنسان بعد أن اشتدّت وطأة الحجر الصحي على العالم برمّته؟  يبدو أن المسألة محسومة منذ أوّلها، فالمسرح ينتهي بنهاية الإنسان ويعود بعودته، ولذلك، فإنّ اللحظة التي توقّف فيها ما هي إلّا علامة على انتظار الحياة وعودتها بالشكل المعتاد. على عكس هذا الفنّ الذي توغّل في وفاءه للإنسان، لم يتوقف المسرحيون عن محاولاتهم في تشغيل المسرح، ولأنهم أصبحوا سكّانا أصليون في عوالم الديجتال والتقنية والافتراضي، فقد جرّوا معهم هذا الفنّ إلى سكنهم الجديد، ومن ثمّ تمّ طرح السؤال عن التقنية بوصفها بديلا عن الفضاء العمومي الموطن الشرعي للمسرح. 

لم يكن لهذا السؤال أن يطرح بالجدّية الكافية إلّا بعد أن تمّ انتزاع صفة المسرح عن المسرحيين لأنّهم أصبحوا مجرّد مواطنين يسكنهم الرّعب، ولم تعد تفصلهم فاصلة عن البشر العاديين، وبشكل أدقّ: لقد فقدوا ما كان يميّزهم على عكس الأطباء أو العلماء أو الفلاسفة الذين انخرطوا في تقديم حلول إلى العالم أو محاولة تفسيره. هكذا تقرّر شطب المسرح من الوجود، أمّا المسرحيون فقد انهارت قلاعهم الإبداعية مثلما انهارت طروادة، ولم يعد لهم من دور غير دور النائحات في مسرحية الطرواديات التي وقّعها سينيكا. لقد ناح المسرحيون بدل الغناء. ربّ نوح رافض للكارثة لم ينتج غير كارثة جديدة مارسها هؤلاء، إذ حدث أن ولد طاعون آخر لا يقلّ خطورة عن المسرح، طاعون وجد تحقّقه من داخل هذا الفنّ إذ تمّ ترذيله بشكل صارخ، وإلّا كيف نفسّر تجريده من آدميته وإدخاله قرى الديجتال؟ هل تحوّل البشريّ إلى كائن آليّ أو رقم افتراضي حتّى يتحوّل معه هذا الفنّ الملتصق به منذ قرون غابرة؟ كلّا، لم يحدث ذلك على الإطلاق.

لقد انتقل العالم برمّته إلى السكن في الفضاء الرقمي وهو ما يرفضه المسرح بوصفه واقعة فنية وجمالية لا تتحقق إلا عبر التواصل المباشر، أمّا أن نحاول ترحيله إلى ذلك الأفق الرقمي فضرب من الوهم الذي مارسه المسرحيون حتّى يتسنّى لهم تخطّي فزعهم النفسي أمام هول ما يحدث، لقد كان الأمر أشبه بعزاء مسرحي: استحضار لأعمال قديمة في محيطات العالم الأقيانوسي وتشغيل لندوات ومهرجانات افتراضية قابلها وجه “فالتر بنيامين” الساخر وقد عادت إلى السطح مقولته الدامغة: موت الهالة، إذ “في اللحظة التي يتمّ فيها إفراغ العمل الفنّي من عبقه لأسباب أو عوامل تقنية محضة، يضيع هذا العمل ويتلاشى”.  لا معنى للحديث عن المسرح دون فرجة تلتحم فيها الأجساد، ولا معنى للحديث عن المسرح ونحن أمام شاشات الحواسيب، ولا معنى للحديث عن المسرح دون لقاء حيّ بين مؤدين وجمهور: هكذا تمّت عملية تعذيب هذا الفن في سياق هذه الحرب المفهومية بعد أن اشتعلت أقلام النقاد بخصوص هذه المسألة على مستوى عربي وعالمي، وأفرزت المئات من المقالات تفرّقت في مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات المهتمة بالشأن المسرحي. نعم، لقد تمّ تقطيع جسد هذا الفنّ كما لو أنه جسد بشريّ ضربه الطاعون فاشتدّت عليه وطأة السعال والحمّى ومن ثمّ انفجرت رئته نتيجة ذلك الفيروس المروّع. قال أدورنو: “القيام الذّاتي الذي كان الفنّ قد بلغه بعد أنّ تخلّص من وظيفته الطقسية وأشباهها، كان يتغذّى من فكرة الإنسانية. لكنّه تزعزع بقدر ما صار المجتمع أقلّ إنسانية”، فتساءل شيللر: “ما هي الواقعة التي تعلن عن ولوج المتوحّش إلى مجال الإنسانية؟“، وأجاب المسكيني متحدثا عن الإنسان بوصفه أسيرا للقشتال “المرعب الذي امتصّ كلّ تأويل ممكن لمستقبل البشرية بما هي كذلك”.

لا يجب أن نغفل أنّ هذه القضية لم تطرح من قبل – قضية المسرح والتقنية ونهاية الآدمية على الركح المسرحي-، لقد طرحت هذه السنوات في ضوء رعب المسرحيين وها هي الآن تتلاشى بعودة الحياة نسبيا. أمّا سابقا – ربما منذ اعتراض المصمّم والمسرحي “جوردن جريك” على الممثل واستبداله بالدمية، وربما منذ لحظة ازدهار التكنولوجيا واكتساحها حياة الإنسان-، فقد طرحت من زاوية جمالية بالتأكيد، ومن زاوية علاقة هذا الفن الجامع الذي يرفد إليه الفلسفة والعلوم الإنسانية والفنّ التشكيلي والتكنولوجيا بتوظيفها في خطابه إذ هو على استعداد دائم لهدم نفسه وتجديدها بتجدّد الحياة البشرية. نعم، إنّ من سماته تهريب ما ليس له في متنه، ولكن ليس من سماته الهجرة إلى فنّ آخر، ولهذا فإنّ مسألة دخول التكنولوجيا أو الديجتال والرقمنة إلى عوالمه ما هي إلّا استثمار منه شريطة عدم نفي الممثّل من الركح ومن العملية المسرحية، الممثل بوصفه البديل المتعالي عن القربان القديم، والممثل بوصفه هو روح الديثرامب أصل المسرح.

من الممكن القول على لسان الناقد الفرنسي باتريس بافيس: “إنّ المسرح لا يمكن أن يمكن أن يكون محميّا من أي وسائل اتصال، وأنّ “العمل الفني في عصر إعادة الإنتاج التقنية” (بنجامين) لا يمكن أن يفلت من السيطرة التكنولوجية الاقتصادية – الاجتماعية التي تحدد بعده الجمالي. إن التلويث الجمالي والتكنولوجي لا مفر منه، سواء كان تفاعلا مؤثرا بين تقنيات وسائل الاتصال، أو رغبة عارمة في الاحتفاظ بخصوصية المسرح أو فقره (جروتوفسكي)، لقد فات الوقت بالنسبة للوقائية الفنية”. نلاحظ من خلال هذه الشذرة أنّ ما يجري هو شأن جمالي، متعلّق بشكل خاص حول نهاية نقاوة الفنّ وتقوقعه على أناه بانفتاحه على مجالات أخرى كالتلفزيون والسينما والمحيط الأقيانوسي لعوالم الأنترنات والشبكات الخوارزمية، وهي من شأنها أن تعطينا تصورا جديدا على حضور المسرح في الفضاء العمومي ومفهومات مغايرة للأداء التمثيلي، ولكن ليس من شأنها إطلاقا نفي الممثل من المسرح واستبداله لأنها على هذا النّحو ستجعل من المسرح شيئا آخر، وستنفي عنه حضور الآدمية بوصفها سرّه وإكسير خلوده منذ نشأته حتى الآن. 

لقد علت صرخة ألفريد جاري بالقول:”لا بد لنا من القضاء على أمور بشعة غاية البشاعة، مستغلقة غاية الاستغلاق، تزدحم فوق المنصة بلا جدوى، وأعني بها في الدرجة الأولى الديكور والممثلين”. إن القصد من وراء هذه الرؤية هو نفي الممثل الإنسان، وبمجرد أن يحدث ذلك فعلامة جذرية على سيطرة الآلة وسيطرة التقنية بسقوط البشرية للسكن في مدن الديجتال أين يكون الإنسان مجرد رقم افتراضي. ولكن هذا لا يصلح مع المسرح لأنه بعبارة عبد الكريم برشيد “فعل حيوي، هو انحياز إلى ديونيزوس كما يؤكد ذلك نيتشه، فهذا الإله الإغريقي هو إله الفرح والنشوة والرقص، مقابل إله الكآبة والمسكنة والضعف”. نعم، يستحيل اليوم إنكار التجاذب بين الفنّ المسرحي والتقنية، ولكنه تجاذب خاضع في المقام الأوّل إلى شكل سكننا الحديث في العالم، وخاضع في المقام الثاني إلى طبيعة هذا الفنّ بوصفه هادما لنفسه باستمرار وحاملا لأسئلة الإنسانية وقلقها ومانحا لنفسه الحقّ في التجدّد، ولهذا فهو حين يظهر لنا في هذه الأزمنة الحديثة يكون قد قدم تصورات فكرية وجمالية جديدة من خلال استفادته من التطور التكنولوجي وتوظيفه في خطابه وبخاصة على المستوى السينوغرافي.

إنّ سؤال الآدمية في المسرح، هو سؤال ليس حديث العهد، بل قديم منذ أوّل هذا الفنّ، ولهذا سيظل دائما مستبطنا حضور الممثل الإنساني على الخشبة أو الركح، وإلّا فإنّنا سنتحدث عن مولد فنّ آخر لا هو بالمسرح أو السينما. نعم، ها هي “إيريكا فيشر –ليشته” تحيلنا في كتابها الموسوم بـ”جماليات الأداء” إلى مسألة في غاية الأهمية بالقول: “لقد ذهبت آلين هاريسون رئيسة ما يسمى بمجموعة المتمسكين بالطقوس، في جامعة كامبريدج- إلى أبعد من ذلك، حيث حاولت إثبات صلة النسب الجينية المباشرة بين الطقس والمسرح”. ليس الطقس سوى ذلك الحدث الأسطوري/ الديني حيث يصبح فيه الإنسان مأخوذا بقوّة روحية خلاقة للتعبير عن قلقه إزاء ظواهر العالم، وأن يكون المسرح نابعا من هذه الرحم القديمة فهذا علامة جذرية على انتماءه إلى الدم الآدمي مهما تحوّلت حياة الإنسان بسكنه في قلب الغابة الرقمية.

في حالة كهذه، يجب أن لا نمارس إسقاطات مفهومية على المسرح، فالفنّ الرقمي كما تعجّ به الآن محيطات الوجود الافتراضي ينتمي إلى “زمن زائل” بعبارة بنشيخة المسكيني، وعلى الرغم من أنه قادر على توفير مساحات شاسعة للإبداع كالربط بين الفنون والثقافات وتدمير الأصل بإظهار الهامش، إلا أنّه لا يستطيع ابتلاع المسرح لأن هذا الأخير فنّ أرضي مثله مثل الإنسان الذي خلق من طين.

ليس المسرح حدثا رقميا زائلا، وليست الخشبة أو الركح سكنا للشاشات والحواسيب. المسرح هو ما يقوله الإنسان للإنسان بشكل تواصلي مباشر، والمسرح هو ما تقوله قضايا الفضاء العمومي للبشرية التي ترمي إلى تشغيل مآسيها وعذاباتها وقولها على نحو جمالي لا غير. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنتدى تم إطالقه سنة 2017 في الدار البيضاء، بمشاركة ممثلين لستة دول من شمال إفريقيا وغربها.هو منتدى يجمع ممارسي المسرح االجتماعي بالقارة االفريقية، لتسهل االتصال بينهم

أهم الروابط

أهم الروابط

أهم الروابط