من وحي تجربة المدينة للفنون1 في المسرح الاجتماعي
- أحمد صالح2 –
عندما كنا نعمل في منطقة كرموز بمدينة الاسكندرية، انتهينا من ورشة عمل عن الحكي لمدة اسبوع مع اهالي المنطقة، كان موضوعها (الدنيا بتتغير) وهي تعني بتغير القيم والعلاقات الانسانية وصورة المنطقة بين اجيال متعددة. قمت باختيارمكان العرض النهائي بمشاركة الاهالي وممثلي المجتمع المحلي بالمنطقة بجوار الجامع الرئيسي بمنطقة كرموز بشارع خوفو ……. قد يبدو ذلك شيئا مخيفا في الوهلة الاولي في منطقة شعبية تمتاز بالعنف وبعض مظاهر التعصب الديني، لكن كان ان علينا ان نثبت ان الفن جزء من الممارسات الجيدة التي من الممكن ان تتجاور بجانب المسجد، ولن يبدو الامر غريبا ايضا عندما تعرفون ان شيخ الجامع هو احد الحاضرين والمشاركين في تكوين ورشة الحكي، بل انه قد شارك معنا بقراءة احدي الحكايات عن منطقة كرموز من اعلي منصة التمثيل.
الانتماء الي الهامش 3
ثلاثة رؤساء حين وصلوا إلي السلطة أوقفوا عملنا، كان ذلك بقرارات مباشرة، ليس بيننا وبينهم صلة شخصية، وﻻ يتقاطع عملنا الثقافي الذي يقع علي هامش السلطة، ولم نكن يوما معارضين لهم أو حتي نعترض عليهم علي وسائل اﻻتصال اﻻجتماعي، لكنهم مع ذلك أوقفوا عملنا. الرئيس ساركوزي حين وصل إلي السلطة في فرنسا أمر بتخفيض ميزانية الثقافة الخارجية، وكنا وقتها في العام 2009 نعمل منذ تسع سنوات في شراكة مع المركز الثقافي بالإسكندرية. في العام 2016 وقعنا عقدا لتمويل عملنا مع القنصلية الأمريكية بالإسكندرية، وكان هذا جيدا لنا وكنا نخطط أن يستمر هذا التمويل لمدة خمس سنوات بناء علي علاقة جيدة جدا مع القنصلية، لكن الرئيس ترامب قلص ميزانية الخارجية، فأغلقت القنصلية في ألإسكندرية بناء علي هذا القرار. الرئيس السيسي رئيس مصر أمر بتخفيض أو إلغاء كل المظاهر الفنية التي تحدث في الشارع، في هذا الوقت كان عملنا مزدهرا في كل شوارع مصر ومساحتها العامة منذ 2011 وحتي 2017 لكن طلب منا بشكل ودي ان نتوقف عن عملنا في الشارع، الآن نحن لا نعمل …. لا نحكي قصتنا مع الرؤساء …. لكن ما زالت معنوياتنا مرتفعة، ونعرف جيدا أن لدينا القدرة علي البقاء ومن ثم اﻻستمرار مرة أخري، كان هذا نتيجة ما خططنا له من قبل وما قمنا بفعله في مجال العمل الثقافي والفني، كنا نؤمن منذ البداية أن أصواتنا ولدت لتبقي.
أنا انتمي إلي الهامش، سواء الهامش اﻻجتماعي أو الفني أو الثقافي، استمتع بتلك المتع الخفية فيه، فيمكنك أن تجوب العالم وان تتناول الطعام في افخر الأماكن وفي نفس الوقت تستطيع أن تعيش حياة الحرافيش وتتناول الطعام علي رصيف الشارع، الذي اهتم بقضاياه اﻻجتماعية واﻻقتصادية، وتحدياته، واهتم بالتطور والتشارك معه، فانا أو بالأحرى المدينة (المؤسسة التي اعمل بها) نستطيع ان نقدم عروضا وتدريبا في اي من شوارع مصر يهتم بالقضايا اﻻجتماعية ويبني تشاركا مع المجتمع، في نفس الوقت الذي نقدم عروضا فنيه معاصرة تطرح تحديات جديدة علي المستوي الفني والتلقي، ونقدم عروضا بلغات مختلفة وممثلين متعددي الجنسيات، بل أبعد من ذلك دخلنا في مغامرات فنية بانشاء معارض تجهيز فضاء وأعمال مركبة ،، كل ذلك يطرحه ويتيحه الهامش، نحن لسنا في المتن، لسنا في إطار الحكومات أو السلطات السياسية وﻻ نهتم أن نكون كذلك، تركنا تلك المساحة طوعا وارتضينا بالهامش، ﻻ نحب الظهور في ووسائل الإعلام وﻻ نريد أن نفرض تجربتنا علي احد، ومع ذلك يأتي من هم في المتن ومن اعلي سلطة به ليطيحوا بنا ويستولوا علي الهامش الضيق الذي كنا نمرح فيه.
في مجال الصناعات الثقافية التي تسيطر عليها الدولة وتحدد مفهومها في عالمي الهواة أو المحترفين ..وتحدد مفاهيمها للعمل الثقافي والفني المحترف علي انه حكر علي المتخصصين وذلك من خلال النقابات والإجراءات المعقدة التي تمكن من السيطرة علي المنتج والعاملين به … كما انها تقوم بعمليات التمويل وأداره الإنتاج في الوقت ذاته وتمتلك معظم مساحات العرض او الشاشات … وتحدد المفاهيم الفنية في أفكار كالرسالة والرقي …. إلي أخر الإنشاءات المعروفة حول هدف الثقافة والفن … او السوق التجاري واحتياجاته و شعبويته المعروفة …. وتنسب ماهو تجاري و شعبوي إلي قبح وعنف المجتمع ذاته … وفي نهاية السلسلة الإنتاجية والصناعية للدولة فانها تضع جميع المنتجات الثقافية والفنية مسابقات ومهرجانات تكون في الغالب تكلفتها المادية اكبر من تكلفة المنتج ذاته خاصة في مجاﻻت الأدب والمسرح.
بينما تنطلق نظرتنا للفنون والثقافة من وجهة نظر اكثر ليبرالية ، وان العمل الثقافي والفني جزء من حقوق المواطنة … وان من حق الجميع التعرض لتدريب او تجربة ثقافية وفنية وان يجد خدمة ثقافية، وان يكون قطاع الصناعات الثقافية والفنية مستقلا في أدارة الإنتاج بغض النظر عن مصادر التمويل سواء جاءت من الدولة أو التبرعات أو غيرهما.
وﻻ نحدد المفاهيم الفنية والثقافية في إطار تقليدي او إطار الهوية الثقافية، بل هي بحث عميق حول الإنسان والقضايا الاجتماعية و التحديات الثقافية المختلفة … وﻻ تحدد أشكال الإنتاج الفني والثقافي بشكل صارم (مسرح، موسيقي، غناء …الخ) بل يتاح للفنان والعاملين في الصناعات الثقافية حرية مفتوحة لتخيل العمل والمنتج الثقافي وأدواته حتي حدود اللامعقول … وان يكون هناك تدريب مستمر وتشبيك وتمكين واتصال بين الفنان والمجتمع وفنانين آخرين عبر الحدود لتطوير عمله مع احترام الحقوق العالمية للإنسان.
التدريب في الشارع4
بعد ثورة يناير في مصر، وفي الفترة بين مايو 2011 الي مايو 2013، تم انجاز ثلاث مراحل من برنامج (التدريب في الشارع) وبذلك يكون قد تم انجاز برنامج الطموح لوجود الفن بالشارع. قامت المدينة مع تسعة عشر شريك محلي وشريكين دوليين وبفضل داعيمها من انجاز اثنا عشر ورشة عمل مختلفة في مناطق شعبية مختلفة بمدينة الاسكندرية وعمل بها 340 متدرب من الفنانين واهالي المناطق الشعبية ،وشارك فيها مدربين من مصر وهولندا والمانيا والولايات المتحدة الامريكية وايطاليا وفرنسا واسبانيا، وقدمت هذة الورش خمسة عشر عرضا فنيا متنوعا وثلاث معارض في الشارع 5.
ان افضل تعريف لهذا المشروع هو ماقالته هيلين مدربة ورشة الرقص والباركور
“التدريب في الشارع هو فرصة ليس فقط لاستخدام الفن في الفضاء الحر لكن أيضاً للتعبير عن أنفسنا وفننا بطرق مختلفة وحيوية وأيضا استخدام الفضاء او المكان حولنا للتعبير وطرح رؤية جديدة تظل فيما بعد إذ ان المكان بعد ما يتم هو بالتأكيد ليس كما كان من قبل.”
يقول مهاب صابر مدير المشروع
“ان مشروع التدريب في الشارع لايهتم فقط باقامة انشطة فنية في منطقة شعبية، انه ايضا يهتم بمرحلة تكوين الحدث مع الناس داخل المنطقة قبل البدء باي فعاليات. يتم ذلك عن طريق اختيار شركاء من المنطقة كجمعية اهلية او مقهي ومشاركة اهالي الحي من الكبار والشباب والنساء والاطفال في موضوع الفعاليات والبرنامج، وعن طريقهم يتم تحديد الموضوعات النهائية التي نعمل عليها، وهكذا يكون الحي وسكانه ليسوا موارد او متلقيين للفن والثقافة بل شركاء في التكوين واصحاب مصلحة اصيلة في اقامة الفعاليات وانجازها”
في منطقة غبريال التي تقع في شرق مدينة الاسكندرية، وبعد ان انتهينا من تقديم النتيجة النهائية لورشة مسرح تفاعلي، اخبرني احد الرجال الكبار في السن من اهالي المنطقة عندما سالته عن تقيمة وراية فيما حدث
“ان المنطقة واهلها كانوا بحاجة لشيء كهذا خاصة الشباب لقد رايت الجميع سعيدا وخرجوا من اكتئاب ومشاكل الحياة الضاغطة والوضع السياسي المنهار – علي حد تعبيره – وان ماحدث يقلل العنف في المنطقة ويجعل الجميع متصالحا مع نفسه ومتسامحا مع الاخرين، وانه راي مواهب جيدة من شباب وبنات الحي تظهر لاول مرة ولم نكن نعرفها من قبل”
لقد ساهم هذا المشروع بقدر ما في خلق بيئة محايدة يجتمع حولها الناس، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي الشديد بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وقد استطاع القائمون علي هذا المشروع ان يبتعدوا بعملهم عن وضعة في اي اطار سياسي او ايدولوجي وكانوا يطرحون الممارسات الفنية والثقافية من وجهة نظر القائمين عليها وليس من وجهة نظر ايدولوجية. ان ادماج الناس العادية غير المتخصصة في انتاج عملية الثقافة والفنون دون تحيز ايدولوجي او سياسي هو ما يجعل الامر اكثر حيوية ومساهمة في التحول الديمقراطي وفي فهم حقوق المواطنة … فتحفيز الناس علي الابداع وطرح قضاياهم ومحاولة تاملها والتفكير فيها مرة اخري ومحاولة ايجاد حلول بشكل جماعي هو جوهر الديمقراطية والمواطنة، وهو مايدفعهم للاشتباك مع الواقع العام. كان المشروع يفعل ذلك من خلال تحفيز المبادرة للافراد المشاركين – دون قدرة علي دعم واستمرار هذة المبادرات لان ذلك لم يكن في امكانات المشروع – وهو احد الاهداف المستقبلية لمؤسسة المدينة في تحقيق قدرتها علي الدفع بالمبادرات الناتجة من العمليات الثقافية والفنية ، وهي مبادرات متنوعة في كافة اتجاهات التنمية وليس في الفنون والثقافة فقط. وهو ما يعني علي حد تعبير هانز احد المدربين المشاركين في المشروع ” مشاركة الناس بشكل أكبر في الحدث نفسه وهذا يمكن عمله بتكاليف بسيطة ــ عمل أشياء منهم ولهم ــ جعل الأمر أشبه بخلق لغة حوار بيننا وبين الناس حول الأمور التي نعيشها والتي تؤرقنا وتؤرقهم فكرياً وحياتياً ولكن عن مشاكلهم بشكل خاص ــ يمكن بهذه الطريقة طرح كل الأمور والموضوعات الاجتماعية السياسية وعلى كل المستويات”.
يبدو من اللحظة الاولي ان مشروع (التدريب في الشارع ) هو كاحد المشروعات التي تهتم بالتنمية والعمل مع الناس دون انتظار نتيجة فنية جيدة، وان الفن هنا هو مجرد مدخل للتنمية. لكن حقيقة هذا المشروع ليست كذلك، فهو يسعي لتطوير تجربة فنية مغايرة في الشارع، لاياتي ذلك فقط من ان القائم بهذا المشروع مؤسسة فنية يعمل بها فنانون ومثقفون … بل ايضا من ايمانهم القوي بان الفن عملية معقدة اكثر من غيرها وانها اذا اقيمت مع الناس بكل ما تحمله الكلمة من معاني فانها يمكن ان تعطينا تجربة فنية جيدة ومبدعة وتنتج نتائج مرضية فنيا. كان هذا جزء اساسي من الاهتمام داخل هذا المشروع، فانتج ذلك تجارب فنية متعددة لها جودة فنية في الرقص والملتميديا والحكي والمسرح والغناء. تقول هيلين عن تجربتها كمدربة في ورشة الرقص في الهواء الطلق والتي كانت تعمل علي تدريب راقصين في الشارع والتعامل مع كل ماهو موجود في الشارع بالجسد لخلق حالة فنية تعتمد على الرقص الحر بالأساس، تخبرنا حول ردود فعل الناس انه:
“هذا كان شيئاً لم يروه من قبل، لقد قدمنا شيئاً جديداً تماماً عليهم، فقد كان من الطبيعي الا يعجب بعض الناس وهذا مفهوم دائماً لأنه يحدث عند تقديم أي شئ جديد، لكني احببت ردود فعل الناس الذين كانوا يتوقفون ويشاهدون بدافع الفضول أو الاهتمام وأتمنى أن نكون قد جعلناهم يرو المكان بشكل مختلف أي انه بعد ما فعلناه لم تعد الحديقة هي الحديقة التي كانوا يروها دائماً”
ان تقديم عروض فنية في الشارع ليس امرا جديدا تماما علي مدينة الاسكندرية ولم تستحدثة ثورة يناير فقط، كان هناك تجارب متفرقة من عدد من المؤسسات بينها مؤسسة المدينة، لكن الثورة عندما حدثت بتفاعلاتها المذهلة في الشارع، حفزت الفنانين علي العمل بشكل اكبر في الشارع، وما يجعل مشروع التدريب في الشارع امرا مميزا انه لم يكتف بتقديم عروض فنية في الشارع بل قام بصناعتها ايضا في الشارع وامام اعين الناس، فجزء ليس بيسير من التدريب كان يتم في الشارع وبمشاركة اهالي الحي الذي تقام به الورشة ، لقد رأي الناس خاصة الشباب كيف يعمل الفنانون وكيف يتدربون وكيف يقومون بالتخطيط لعمل فني، لقد غير هذا من نظرتهم للفن والثقافة تماما، فقد كانوا يعتقدون من قبل ان عمل الفنانين امر سهل ولم يكونوا يتخيلوا مدي صعوبة عمل الفنانين والمجهود الذي يبذلونة. في نفس الوقت اعطاهم الامر احساسا بان الفن والثقافة لاتقتصر في صناعتها علي الخبراء فقط، بل بامكانهم ايضا (الناس العادية) بان يقوموا بالمشاركة في انتاج الفن وصناعة الثقافة بشكل ما، وان يستخدموا هذة العمليات في حياتهم ايضا لتجعلها اكثر متعة وتسعي نحو الافضل.
كان جزء من التدريب يتم في داخل قاعات ستديو المدينة6 وهو احدي مشروعات مؤسسة المدينة، حيث يوفر الاستوديو مساحة للتدريب والتعلم … تقول انيت هانيمان عن الاستوديو
“اظن ان ستوديو المدينة مكان رائع لتجمع الفنانين المحترفين منهم والذين يبغون التعلم أيضاً. وأيضاً لهؤلاء الذين يودون تجريب الأمر ولو حتى لمرة واحدة. أعتقد ان المدينة من اكثر الأماكن حيوية في الشرق الأوسط وكشخصية تأتي من الغرب ما أراه في الشرق الأوسط أنه من الصعب جداً ان تجد أماكن كهذه تعمل على مثل هذه المشروعات وتعتمد على التجريب في عملها أقول هذا عن اقتناع وبكل تقدير وحب وأتمنى أن تقبلوا مجاملتي هذه بحب”
الجزء الاخر من التدريب كان يقام في الشارع بين الناس، كنا ننصح المتدربين ان يعملوا في الشارع في بداية التدريب وكانهم داخل الاستوديو حتي لا يتاثروا بتعليقات الناس في الشارع، وحتي نعطي الناس فرصة حتي يستطيعوا تفهم الامر ومن ثم المشاركة فية، فليس من الطبيعي او من البديهي ان يتقبلك الناس في البداية خاصة انه امر جديد عليهم تماما، لذلك عليك ببعض الصبر واثارة عدد من المناقشات حول ماذا يحدث والاجابة علي كثير من الاسئلة مثل “ما الهدف وماذا تستفيدون ولما تدعم منظمات اجنية دولية مثل هذة الامور … كنا نقف كمجموعة من الموظفين في المشروع حول التدريب لنجيب عن اسئلة الناس بصبر ووضوح وشفافية وكانت النتيجة انهم بعد ذلك يندمجون تماما في الامر ويشاركون في التدريب وفي التحضير معنا للفاعلية وفي تنظيف المكان، والمدهش انهم كانوا يفعلون ذلك كمتطوعين ويرفضون الحصول علي مقابل مادي تجاة خدماتهم حتي لو كان من باب المجاملة. في احدي ورش العمل وكانت تعمل علي فن المايم والموسيقي التفاعلية بالمواد المتاحة من حولنا، وعندما بدا التدريب امام مقهي في منطقة كوم الدكة تجمع ثمانية شباب من اهالي الحي واخذوا بالقاء تعليقات ساخرة علي ما يحدث وتعالت ضحكاتهم، لكن تركيز الفنانين وعدم الالتفات الي ما تفعله مجموعة الشباب واستمرارهم في العمل جعل هذة المجموعة تتوقف عن السخرية لتبدا بعد ذلك في التفاعل، والمدهش انهم دخلوا في تحد موسيقي مع مجموعة الفنانين وبداو في لعب الموسيقي وعمل الحركات الايقاعية فيما يشبه منافسات الهيب هوب.
بالطبع يستثني الاطفال من كل هذا في كل المناطق التي عملنا بها، فقد كانوا اكثر حيوية منا جميعا وشاركوا بقوة في التدريب وفي كل الاحداث وكانوا مصدر الهام وسعادة للجميع. تنعكس كل هذة التحديات علي عمل الفنان وتساهم في تطويره وصقله بخبرات جديدة يقول علي المصري احد المتدربين في ورشة مسرح الريبورتاج
“لو تكلمنا عن العمل في الشارع أولاً، المسرح في الشارع كما عملت عليه من قبل لم يكن كهذه التجربة فالتفاعل مع الناس في هذه التجربة كان السمة الرئيسية والأهم، لم أكن اتخيل فعل هذا بالأخص أثناء العرض والتفاعل مع الجمهور بالأخص من الأطفال والحالة التي كان عليها الجمهور بشكل عام، افادتني في كيفية التعامل مع هذه الظروف اثناء القيام بعمل فني في الشارع بشكل لايمنع تركيزي فيما اقوم به. استفدت من هذا كثيراً كممثل”
واحب ان اذكرما قالة هانز مدرب ورشة المهرجين الثوريين عن المشروع
“هذا أهم شئ يمكن بل ويجب أن يحدث في مصر في هذه الفترة الراهنة نظراً لعظم التحديات الموجودة حالياً والتي ستواجهها في المستقبل. كل الفنون لابد أن تساهم ويكون لها دور في هذا المشروع ولابد ان تقام عروض كثيرة في شوارع المدينة التي هي بالطبع أرض خصبة للعمل الفني بالتأكيد.”
مسرح الكرنفال7
هو مسرح المستقبل، المسرح الذي يستطيع الجميع المشاركة فيه، فهو مسرح يُعتبر الجميع فيه فنانون،كما أنه يراعي البيئة، والتعدد الثقافي والديني، واحترام الثقافات المحلية، وحقوق الانسان العالمية، مسرح يساعدنا علي ايصال مشاعرنا، ويزيد من قدرتنا علي فهم الواقع، يجعلنا قادرين على فتح حوار مع الأشخاص حولنا، يشجع على النجاح الاجتماعي، ويقود الطريق لإحداث تغيير اجتماعي إيجابي.
مسرح الكرنفال8 هوطريقة جديدة , تسمح بالابتكار , وتجمع بين فنون مختلفة، في مساحات بديلة، ويستطيع اي شخص مع اي مجموعة ان يقوموا بها. تطرح مشاكل إجتماعية، وتستفيد في حلولها من التنوع الثقافي وتدعم المساواة بين الجنسين. يستهدف المجتمعات المهمشة والمحرومة، والمجموعات التي لديهاخصوصية سواء كانت ثقافية (كالنوبيين والبدو والقادمون الجدد….الخ) او خصوصية عمرية أو جنسية (كالنساء و الشباب والاطفال….الخ) وكذلك الفنانين والاخصائيين الاجتماعيين و النفسيين. يتم ذلك في إطار من البهجة ويسمح بالتفاعل مع المجتمع المحيط، والمشاركة الاحتفالية للجميع مؤديين ومتفرجين. وقد بدأ تكوين مسرح الكرنفال من خلال مشروع كرنفال الشارع.
خرج مشروع كرنفال الشارع 9إلى حيز الوجود من خلال سياق وبيئة مصرية، حيث من الصعب أن تعرف حتى اللحظة الأخيرة، إذا كانت العروض التي تريد أن تقدمها سوف تدخل حيز التنفيذ كما كان متوقعًا أم لا يمكنك الحصول على إذن بعرض النشاط الخاص بك وقبل بضع دقائق من العرض يمكن أن يمنع. فتنظيم الأنشطة في الشوارع يمكن أن ينظر إليه كبداية لاحتجاج وخاصةً في السنوات القليلة بعد الربيع العربي وفي الوقت الحاضر، أصبح الأمر أكثر صعوبة فهناك شعور بعدم الارتياح من قبل السلطات من التجمعات الكبيرة بشكل عام. فهؤلاء الناس لا تملك أن تفهم الجوانب الإيجابية لهذا النوع من الأنشطة الثقافية.
لدى المدينة خبرات سابقة في إدارة الأنشطة الثقافية في الشوارع والأحياء الشعبية. ومع ذلك فإنها لا يمكن أن تتنبأ بما سيحدث لهذا المشروع وما إذا كان سيتوقف أم لا. ولهذا السبب حددت المدينة فترة ستة أشهر للعرض مع وضع خطة احتياطية في الحسبان، ولكن في مصر لا يمكن التنبؤ بشيء. ولم تكن هناك صعوبات حقيقية بل أن الجمهور استقبل العروض بالترحاب وغنى ورقص مع الفنانين.
ما زال الفنانون يتلقون تدريبات تقليدية في مصر، وهم فى حاجة إلى تنمية مهاراتهم بطريقة مختلفة عما توفره لهم المؤسسات التقليدية. في السنوات الأخيرة كانت هناك بعض المشاريع الفنية الطليعية ولكنها عادة ما تصل إلى جمهور معتاد على هذا الأسلوب من تقديم الفنون. فخلط الأداء المسرحي بالرقص والأكروبات وعروض المهرجين والموسيقى كان لتنمية قدرات ومهارات الفنانين. وقد اقترح بعض المدربين والشركاء المحليين إدخال فنون أخرى في العرض مثل مسرح الدمى والمسرح الاستعراضي. وفي نهاية المشروع كان لدى العديد من الفنانين القدرات المؤهلة للانضمام إلى المشاريع الفنية الأخرى، وقد تم الاتصال فعلاً بعدد قليل منهم للعمل مع أشخاص آخرين بعد الدعاية التى تمت لكرنفال الشارع وقد نمت هذه التجربة قدرة الفنانين على العمل تحت ظروف صعبة في الشوارع10.
لم يكن العرض في الشارع بالأمر السهل أبدًا، لأنه ينطوي على تواجد الحشود التى يخشى رجال الأمن أن يفقد السيطرة عليها، لا سيما بعد قيام ثورة 2011. ومع ذلك، عندما عرض “كرنفال الشارع” أثبت أنه خلق مساحة للبهجة. فلفترة معينة من الزمن استطاع صغار وكبار السن، وجميع فئات الناس، الاستمتاع وفي نفس الوقت مشاهدة كيف تعالج عددا من قضايا المجتمع الصعبة. وجوههم السعيدة واضحة من خلال المئات من الصور وأشرطة الفيديو التي التقطت أثناء وبعد العرض. كانت معظم العروض بالأحياء الفقيرة والمهمشة التي نادرًا ما تقام بها أنشطة فنية، وهي وسيلة للقول للناس إن الأماكن العامة يمكن أن تكون لهم، وجعل الفنانين أكثر ثقة ويقينًا بأن الشارع هو مسرحهم.11
نحن نعتقد أن مركزية الفنون والثقافة في مصر هو التحدي الرئيسي، الذي يؤثر على العديد من العوامل المختلفة، مثل تشجيع وتوفير المنتج الثقافي في المناطق المهمشة، وخلق سوق ثقافي للفنانين خارج العاصمة، ومواجهة الحد من حرية التعبير. لا يعترف صانعو القرار بهذه التحديات، وحتى حين يعترفون بها فإن الأسباب الأمنية والإجراءات المعقدة تخل بالعمليات اللوجستية والفنية، وخاصة عندما تناقش مواضيع حساسة مثل حقوق الأقليات والفوارق بين الجنسين. ولكن الفن لديه القدرة على تنشيط عملية التغيير، الفنون والتعبير الثقافي هي القوة الناعمة للمقاومة غير العنيفة، وتحويل الصراعات وبناء السلام، وتوفير العمل الفني في المناطق المهمشة هو واحد من الحقوق الثقافية الأساسية، ولكن فنانو الشارع يواجهون تحديات جمة، سواء من جهة صانعي القرار أو المجتمع ذاته، ولذلك يساهم مشروع كرنفال الشارع في تحقيق احتياجات الفنانين الذين يريدون أن يلعبوا دورًا مؤثرًا في زيادة الوعي بالمواطنة والمشاركة المدنية. ونظرًا لانعدام وسائل الاتصال بين الفنانين والعامة، ونظرًا لأنه ليس هناك طرق واضحة للعمل خلال هذه الفترة الحساسة من تاريخ مصر، فإن كرنفال الشارع يقوم بتوفير طرق خلاقة لسد الفجوة بين الفنانين والعامة ولنشر البهجة.
خلال السطور التالية سيتم تسليط الضوء على المنهجية التي استخدمت في مشروع كرنفال الشارع في العديد من السياقات المختلفة. ونتيجة لخمس سنوات من العمل في مجال مسرح الشارع والفنون في الأماكن العامة والمهمشة أدركنا أن القاعدة الأولى هى جعل المجتمع يقع أولاً في حب الفئة المستهدفة (الأقلية) من خلال إبراز التحديات التي تواجهها وتعزيز ثقافتها، وبالنسبة للنوبيين فنحن عملنا على تشجيع المجتمع على فهم جوهر ثقافتهم أولاً. تناولنا الثقافة النوبية من منطلق القيم النوبية التي نحن بحاجة إلى تقديمها كحلول لتحديات المجتمع المصري بأسره، وليس من جانب المجتمع النوبي فقط. ولقد اخترنا هذه الطريقة لأنه إذا عالجنا مشاكل تهميش النوبيين أو القيود المفروضةعليهم، قد يتسبب هذا في وجود فجوة بين ما نحن بحاجة إلى تشجيعه والاحتياجات الحقيقية للمجتمع والتحديات المشتركة. في الوقت الحاضر يعتبر التحدي المشترك الرئيسي في مصر هو التحرش الجنسي ضد المرأة، والذي تواجهه أيضًا المرأة النوبية خارج مجتمعها المحلي نتيجة للون البشرة المختلفة أو الملابس. ويقوم المشروع بتسليط الضوء على قيمة التعامل مع المرأة في الثقافة النوبية حيث لا يوجد تمييز على أساس الجنس أو جرائم شرف، مما يعكس انفتاح وتسامح الثقافة النوبية. وهذا يُظهر أن مصر لديها الحلول للتحديات التي يواجهها المجتمع والتي يمكن أن تأتي من ثقافتنا المحلية، وهذا يساعد على كسر القوالب النمطية وإلغاء الأحكام المسبقة ضد أي من الثقافات المختلفة، وتدعيم فكرة تقبل الآخر والتعايش. ويمكن تطبيق هذه المنهجية على العديد من الأقليات المختلفة مثل اللاجئين والبدو والأقليات الدينية…12
خطاب روبن اودي13
نحن فنانو المغرب نعتبر المدينة للفنون الأدائية والرقمية مؤسسة سكندرية مصرية عظيمة وقد تعرفنا عليهم من خلال إقامتهم الفنية الوجيزة بالدار البيضاء. في أول يوم من الإقامة الفنية لم يكن أحد يعرف نتيجة التفاعل مع ممثلي المدينة ومسرح المحكور بالدار البيضاء ومينورتي جلوب بالدار البيضاء تحت إشراف مؤسسة جذور. وكان الممثلون والقادة حريصين على بذل قصارى جهدهم للتفاعل معًا وتقديم أفضل ما عندهم. كان يوم العرض هو الأول من نوفمبر ٢٠١٥ وكان يومًا مجهدًا للغاية، كانت السماء تمطر طوال اليوم وقمت بمناقشة أحوال الطقس مع أحمد صالح، المدير الفني لكرنفال الشارع، وكنا نؤمن تمامًا بأن المطر سوف يتوقف لكي تبدأ فعاليات الكرنفال، وقد اشتكى بعض الفنانين من خطورة الطقس السيء على صحتهم ولكني أكدت لهم بأن المطر سيتوقف تمامًا ولن يمرض أحد، فليس من الممكن أن يأتي المصريون خصيصًا لأداء العرض ويحدث ذلك بسبب المطر. تلك كانت كلماتي الأخيرة لهم.
وأخيرًا جاء يوم العرض وخرج الممثلون في المطر ليستطلعوا أماكن عرض كرنفال الشارع وبينما هم على وشك البداية هطلت أمطار غزيرة، ولكني ظللت متفائلاً، وكنت واثقًا من أن الكرنفال يجب أن يبدأ بغض النظر عن المطر، وبعد دقائق معدودة وفي الوقت المناسب توقف المطر وبدأ العرض في التو واللحظة. وقد أدى الفنانون العرض في ظروف مناخية سيئة، ولذلك يستحقون كل التقدير. كما أنهم غيروا مكان العرض من ميدان الأمم المتحدة إلى ميدان نيفادا، وتعرضوا لكافة أنواع المضايقات من المصورين الصحفيين الذين تعدوا على المساحة المخصصة لهؤلاء الفنانين.
وقد بدأ الجزء الثاني من العرض بعد استراحة استغرقت ساعتين في نفس الميدان، ولكن في جانب آخر منه. وقد بذل الفنانون قصارى جهدهم وصفق لهم الجمهور. وقد كانت داليا سمير أكثر الفنانين شعبية لدى الجمهور، حيث أن لديها القدرة على اصطحاب الكل إلى عالمها الفني النقي. أما بقية الفنانين مثل هشام بالدوي ومنال امالو وسكينة بن شكرون وسندس سوميت فإنهم كانوا جيدين جدًا، وكذلك كان الموسيقيون الذين قاموا بمصاحبتهم. أما المخرج والمدرب حسني المخلص، مدير مسرح المضطهدين بالدار البيضاء، فقد لعب دورًا هامًا في مشروع كرنفال الشارع، وقد أبلي بلاءً حسنًا في الترجمة لممثلي الكرنفال من غير المتحدثين باللغة العربية. كانت التجربة بالنسبة لنا بمثابة اكتشاف جديد برغم من درايتنا التامة بقدرة المصريين الفائقة على التمثيل والأداء المسرحي، ولكن الواقع فاق كل توقعاتنا وتعلمنا أكثر بكثير مما كنا نأمل أن نتعلم وذلك في وقتٍ قصير ويسعدنا أن نتعاون مع المدينة من خلال مشروعات أخرى في المستقبل.
لقد كانت المدينة بمثابة مدرسة لنا في الدار البيضاء خلال زيارتهم القصيرة ونحن نأمل أن نتعلم منهم أكثر في المستقبل القريب، ففي مجال الحياة كلما تعلمنا أكثر كلما استطعنا أن نتحكم في مصيرنا. الإنسان هو الحيوان الوحيد القادر على اختزان المعرفة ولذلك فإنه أعظم المخلوقات لأنه لا يتوقف عن التعلم ولأنه يتمتع بمهارات متعددة.

