مقالة مقدمة للمنتدى الإفريقي للمسرح الجتماعي (اللقاء الإقليمي الثاني _ مصر)

عمر عبدالكريم صباغ  
2022 

بين عالمي المنصة والمُشاهد 

يُعرف لوب دي فيجا المسرح على أنه كائنين بشريين وعاطفة ومنصات (1)، هذا التعريف يقدم المسرح على أنه مجال علاقاتي، لكن هنالك علاقة لا يسوقها التعريف، علاقة مع مكون آخر من مكونات المسرح الأساسية المُشاهد، بل يمكن القول أن لا مسرح بلا مُشاهد، ما يلي محاولة لتتبع هذه العلاقة بين عالم المنصة وعالم المشاهد. 

بدأت دراسة هذه العلاقة قديماً من المقطع الأخير لتعريف أرسطو للتراجيديا (وتتم هذه المحاكاة في شكل درامي لا في شكل سردي وبأحداث تثير الشفقة والخوف وبذلك يحدث التطهير).(2) 
يحدد أرسطو هذه العلاقة بالاستقبال الإنفعالي والفعل التطهيري، فالمشاهد يعتمل داخله مشاعر من الشفقة تجعله يتحد مع البطل بشكل وجداني لاواعي، فتحصل المحاكاة بين الممثل والمشاهد، أما الخوف فهو من أفعال المشاهد التي تحاكي فعل الممثل على المنصة، خلال التطهير يتخلص المشاهد من هذه المشاعر الثقيلة، إما من خلال العملية الإتحادية/المحاكاة حيث يتطهر المشاهد من مشاعره الثقيلة وتحل مكانها مشاعر سارة عندما يتغلب الممثل على الصعاب التي تواجهه، أو بفعل تعليمي يحصل للمشاهد من خلال تعظيم أخطائه والاعتراف بها. 

لاحظ هذه العلاقة السلبية برتولت بريخت متأثراً بانتمائه الماركسي، حيث دعا لمسرح، يستخدم ويشجع الأفكار لتغيير المجال نفسه.(3) 
بدأ بريخت التغيير من مسمى العلاقة، فاقترح بديلاً عن التطهير سماه الاغتراب، ينشأ الاغتراب من نقل الواقع بشكل غرائبي يجعل المشاهد متحفزاً طوال الوقت، فبرأيه تكمن السلبية في تماهي المشاهد مع الممثل كما طرح أرسطو، وبأن التماهي يعطل العقل الناقد لدى المشاهد، تعطيلاً لا يؤدي إلى تغيير حقيقي في المجال العام، أما لنقل التغيير خارج جدران المسرح فنحتاج لهذه العلاقة التي يظهر فيها المشاهد كطرف له دور، مطلقاً عليها هدم الجدار الرابع، الجدار التخيلي الذي يقبع بين عالمي المنصة والجمهور. 

عملية الهدم هذه نقلها أوجستو بوال إلى أبعد من ذلك، ففي المسرح التقليدي نقدم صوراً عن العالم حتى يتم تأملها، بينما في مسرح المقهوريين تُقدم تلك الصور كي يتم تدميرها وإحلال أخرى محلها(4) بل من يُقدم الدراما في مسرح المقهورين هو المُشاهد، الهدم في ممارسة مسرح المقهوريين هو هدم حقيقي للجدار الرابع، فالمشاهد ما عاد مشاهداً سلبياً إنما مشاهداً فاعلاً، يشاهد وهو مستعد لدخول عالم المنصة كمُغير في الحدث الدرامي، يعتبر بوال هذا الاستعداد نفسه هو فعل، يحكي لنا بوال عن تلك السيدة الغاضبة التي بنت هذا الجسر بين عالمي المنصة والجمهور، عند استخدام الطريقة التي سماها الدراماتورجيا الفورية قبل تحولها لمسرح المنتدى، فقد كان الممثلون يمثلون اقتراحات المشاهدين بأنفسهم، أبدت السيدة غضباً واستياءً متكرراً تجاه تمثيل مقترحها، فعرض عليها بوال دخول المنصة لتأدية اقتراحها بنفسها(5)، هذا العرض هو التطهر في مسرح المقهورين، هو العلاقة التي تجعل من عالمي المنصة والجمهور عالماً واحدا، ليكون التطهر تطهراً تغييرا لا تطهرا تكيُفياً، يقوم المشاهد فيه بالتطهر الفعَّال مغيراً واقع المسرح، لنقل هذا التغيير إلى واقعه المُعاش.  

 من خلال هذا التتبع يتضح لنا كيف انتقلت العلاقة بين عالم المنصة وعالم المشاهد، من كونها علاقة نفسية ذات بعد واحد يكون فيها المتلقي مستقبلاً سلبياً مستلباً لعالم المنصة عند أرسطو، ثم مشاركاً واعياً يعي هذه العلاقة ويمارس فيهاً دوراً نقدياً لتغيير واقعه من خلال الهدم الاسمي للجدار الرابع عند بريخت، ثم الهدم الفعلي لهذا الجدار بين العالَمين على يد بوال بإدخال المشاهد عالم المنصة وتمديد المنصة لتتسع عالم المشاهد، فيما يمكن أن يطلق عليه التدريب الجمالي.  

المصادر: 

  1. أوجستو بوال، “قوس قزح الرغبة”، ترجمة نورا أمين، الهيئة العربية للمسرح، ص30. 
  1. أرسطو، “فن الشعر”، ترجمة إبراهيم حمادة، الأنجلو المصرية، ص95. 
  1. برتولود بريخت، “الأرجانون الصغير”، ترجمة فارووق عبدالوهاب، مركز الشارقة للإبداع الفكري، هلا للتوزيع والنشر، ص43. 
  1. أوجستو بوال، “قوس قزح الرغبة”، ترجمة نورا أمين، الهيئة العربية للمسرح، ص97. 
  1. المرجع السابق ص18\19\20 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنتدى تم إطالقه سنة 2017 في الدار البيضاء، بمشاركة ممثلين لستة دول من شمال إفريقيا وغربها.هو منتدى يجمع ممارسي المسرح االجتماعي بالقارة االفريقية، لتسهل االتصال بينهم

أهم الروابط

أهم الروابط

أهم الروابط