من الانفلات الراديكالي إلى غواية المؤسسة !
حاتم التليلي محمودي
في اللحم الكتابي للمُؤَلَّفِ الجماعي “مسرح الشارع: الأداء التمثيلي خارج المسارح” – وقد تمّت ترجمته إلى لغة الضاد من قبل عبد الغني داود وأحمد عبد الفتاح ومن ثمّ نشره عن طريق الهيئة المصرية العامة للكتاب في سنة 1999-، نقرأ ما يلي: “من المثير للاستغراب، بل ومن المدهش أن تجد التاريخ يروي قصة أخرى عن نشأة مسرح الشارع، لا تبتعد كثيرا عن أنّ الكنيسة كانت هي القابلة التي ولد عليها أوّل مسرح شارع في هذا البلد- انجلترا” (ص 12). رُبَّ شذرة يجب أن لا نثق بمحتواها أو نسلّم بما ورد فيها، فهي تقدّم الكتاب كما لو أنّه فعلا يعالج مسألة أنطولوجيا مسرح الشارع ومساراته التاريخية والحال أنّه ليس كذلك إلّا بوصفه نظرة على المسرح الانجليزي، وهي في الآن نفسه تختزل ولادة هذا المسرح على يد الكنيسة وهذا الأمر يناقش من ناحية أنتروبولوجية إذا خرجنا عن الإطار الجغرافي المرسوم سلفا عند الخارطة الانجليزية.
نحن فعلا لا يمكننا القبض على تلك اللحظة الأولى التي منها ابتدأ الحديث عن مسرح الشارع، ولكنّنا نعرف أنّ المسرح قبل أن تتمّ “عقلنته” و”مأسسته” من قبل الإغريق كان فُرْجَةً في الساحات العامّة، لقد كان احتفالًا تُسَيِّرُهُ رغبة وحشيّة هائجة في تشغيل القربان بإضفاء المعنى على وجود الإنسان وإزاحة العدم عنه، ولكن هذا لا يتيح لنا الحديث عن شكل مسرحي اسمه مسرح الشارع: ثمّة فقط مشترك وحيد هو اللعب الأدائي خارج القاعات المغلقة. ونحن لا يمكننا القبض أيضا على تلك اللحظة الزّمنية التي منها يبدأ الحديث عن أوّل عرض مسرحيّ يمكن تصنيفه بمسرح الشارع. في المقابل، يمكننا فعلا إجراء تحديد مفهومي لهذا المسرح بوصفه لا يمكن إلّا أن يكون راديكاليّا، توجد عروضه فجأة وعلى نَحْوٍ غير متوقّع نسبة إلى جمهوره العابر في فضاء مّا، جمهورٌ يتمّ الدّفع به إلى المشاركة في صناعة الفرجة من خلال التّفاعل مع قضاياه وهمومه الاجتماعيّة والسّياسيّة.
على هذا النّحو من حضوره، سيكون الأداء التمثيلي انفجاريّاً، إذ ينسلخ عن مساره المرسوم في سيرورة العرض كما هو محدّد سَلَفاً، لأنّه أداء خاضع لمكان تشغيل الفرجة حيث الفضاء يخضع لشروطه الخاصّة، ولهذا “تنشأ ردود فعل غير متوقّعةـ واستجابات تغيّر باستمرار المسار المخطّط للفرجة” (العبارة للناقدة الألمانية إيريكا فيتشر )، أمّا مصدر الرّدود تلك فجمهور العرض، هذا الذي تزدحم عليه حركاتُ الممثلين أو بشكل أصحّ المؤدّين، ويتمّ استفزازه وتوريطه في صناعة الفرجة. مع مسرح الشارع لا يمكن أبداً التّنبّؤ بمسار الفرجة أو التّخطيط لاشتغالها، فهي لم تعد حكراً على صنّاعها فحسب، وإنّما الجمهور أيضا، وهكذا تنشأ لعبة دَمَقْرَطَةُ المنجز المسرحيّ. أمّا في حالة ترويضه من قبل المؤسّسة المسرحيّة أو تقنينه فهو لن يستمرّ أو يحافظ على خصوصيّته، لأنّه مجبول على التّمرّد والحرّيّة، ولأنّه يظهر فجأة دون علم مسبق في فضاء لعبه إذ يركّز على عنصر الدّهشة وإثارة الغرابة وتغيير اللغة الحوارية والمشهدية في الفضاء العمومي.
هو مسرح يهاجر إلى جمهور يحدّده سلفاً، ولا ينتظر من هذا الجمهور أين يأتي إليه، وهو مسرح لا يتماشى والبهرج الاستطيقي بوصفه رائعا جماليّا لأنّ روحه سياسية وثوريّة بامتياز. أَنْ نقول بأنّه مسرح يحمل روحا سياسية فهذا يعني أنّه يندرج ضمن أطروحة الرّائع العملي لا الرّائع الجمالي. ولكن، ما الفرق البهرج الاستطيقي وهذا الرّائع العمليّ؟ للإجابة عن هذا السؤال سنضرب مثالا عن واقعة مسرحية نراها الأقرب إلى تحديد الإشكال المتعلق براهن مسرح الشارع لدينا، ومنها يمكن أن نعقد تنويعا نقديّا إزاءه: حين استقبل مهرجان أفينيون مجموعة المسرح الحيّ ( Living théâtre) في أواخر الستينات من القرن الماضي، كان الطلبة يفجّرون الشوارع الفرنسية التي ازدحمت بالشعارات الرافضة، وما من مسرحيّ هناك حقّق ما راود ذهن “جاك لوكوك” المتمثل في تفجير الحركات والنصوص وإيجاد اللغة التي من شأنها الإفصاح عن ثورة الطلاب تلك. إنّ المفاجأة التي هزّت الرّأي العام الفرنسي ولم يستسغها المثقفون بما في ذلك “جون فيلار” – مدير المهرجان- هو أنّ هذه الفرقة المسرحية القادمة من أمريكا لم تلتزم بالقانون الداخلي للمهرجان بعد أن نزلت إلى الشوارع والتحمت بالمتظاهرين، ولم تقدم عرضها الفرجوي “الجنّة الآن” ( Paradise Now ) إلا بوصفه ضربا من الاحتجاج والتحريض ضدّ السلطات الفرنسية. عرض قاده كلّ من “جوليان باك” و”جوديت مالينا” هو في الحقيقة سيل من الشعارات الغاضبة رفعت على النّحو التالي: “مسرح أفينيون المجاني يسلب لنا الخيال”/ “ما الذي يريده الشيوعيون؟”/ “كيف يمكن للأناركيين إيجاد حلول؟ “/ “كونوا سجناء أفينيون”/ “كونوا طبقتها العاملة”/ “كونوا أصحاب البشرة السوداء”/ “كونوا الجزائريين”/ “شكلوا خلايا”/ “أوقفوا الخوف”/ “افعلوا ذلك في الواقع”/”افعلوا ذلك الآن” .
إنّ ما تكشف عنه هذه الواقعة التي شهدها مهرجان أفينيون في تلك الفترة، هو أنّه ثمّة خلل مّا، خلل هو الآن يتحدّد من خلال انقسام المهرجان إلى صنفين على ما يبدو ، الأول يختزل الأركاح في البهرج الاستطيقي، والثاني ينقد العالم لأنّه على علاقة وطيدة بالوجود. الأوّل يشير إلى ضروب السكن التي يشهدها الفن المسرحي بوصفه منتميا إلى سوق البضائع الهائلة حيث تجري عملية تشيئة الإنسان وتسطيح العالم بإفراغه من إرادة الاقتدار، أما الثاني فيحمل نظرة تقول بأنّ الفنّ “فعل جماعي للتحرّر” من خلاله يتوجّب إقحام “الجموع داخل اللعب الأنطولوجي” (بعبارة المفكر الايطالي طوني نيغري)، ولذلك فإنّ ما أقدمت عليه مجموعة المسرح الحي (Living théâtre) ما هو إلّا استدعاء للرائع العمليّ بوصفه “الميدان الشرعي للثوريين” (بعبارة أم الزين بنشيخة المسكيني). ثمّة إذن دحض للخواء الجمالي الذي يشهده الفنّ المسرحي من خلال التمرّد على قوانين أفينيون وهجرة المسرح إلى أركاح جديدة هي أركاح الحياة، وثمة أيضا موقف سياسيّ يرفض الانخراط في لعبة السوق ويرتحل مع الجموع الغاضبة، وهذا هو المقصود بالرّائع العملي حيث يتحرّر الفنّ من قبضة الرجعيين ليصبح في يد الثوريين.
ونحن إذ نشير إلى هذا المثال من زاوية تحوّل الرّائع الجمالي (البهرج الاستيطقي) نسبة إلى الفيلسوف كانط إلى رائع عمليّ نسبة إلى المفكّر الإيطالي “طوني نيغري”، فمقصودنا إعادة النظر في ما يحدث الآن أمام هذه الظاهرة المسرحية المسمّاة بمسرح الشارع خاصة وأنّها غزت حياتنا المسرحية، وصرنا نرى اشتغالها في العديد من المدن العربية مثل تونس والعراق والمغرب الأقصى ومصر…إلخ. هل ثمّة رائع عمليّ في هذه التجارب العربية؟ هل ثمّة في هذا المسرح الذي يسري في شرايين حياتنا المسرحية ضرب من التوجّه الثوري الذي يعايش مصائر الكارثة التي تحدث في بعض هذه المدن؟ ما الحاجة إلى مسرح الشارع إذا كان نسخة تحريفية عن هدفه الرّئيس؟ هل يمكن إطلاق هذه التسمية على هذا المسرح أم إنّ ما يحدث مجرّد تحريف له ولأصوله وتوجّهاته وأطروحاته الجمالية والفكرية والسياسية؟
إنّ المدهش في الأمر، هو أنّنا صرنا نرى لهذا المسرح في مدننا مؤسّسات ترعاه مثل الرّابطة التونسية لمسرح الشارع أو مهرجان مسرح الشارع في بغداد، ولقد ذهب أيضا مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي إلى تخصيص محور كامل من فقراته لهذا المسرح في دورته الفارطة. كيف نثق في احتجاج هذا المسرح إذا كنّا سنراه خاضعا لقوانين المؤسّسة أو لكرنفال مّا؟ هل يمتلك طاقة اختراق هذه المؤسّسة التي يسكن دائرتها وملعبها؟ منذ متى كانت المؤسّسة تفكّر؟على الأغلب، إنّ ما يجري هو ضرب من ترويضه وتلويث جوهره بمباركة من المسرحيّين الذين طرحوا على أنفسهم هذا المسرح بالذّات. ثمّة على هذا النّحو ضرب من التّفاوض بين هؤلاء المسرحيّين والمؤسّسة المسرحيّة، تفاوض مرماه سياسات التّموقع داخل الحياة المسرحيّة. أمّا النّزعة الرّاديكاليّة لهذا المسرح فمجرّد مخاتلة سياسية سَتُنْهِي حتماً عَبَقَ هذا المسرح.
سؤال يفيض بقوّته الآن: هل نحتاج في مدننا العربية والأفريقية إلى تجارب فنّيّة تتنزّل عند حدود الرّائع العمليّ؟ يبدو أنّ هذا الإشكال المسرحي هو الذي يجب أن نطرحه بقوّة، إذ منذ الثورات الأخيرة التي شهدتها العديد من بلداننا لم تعد وحدها الأنظمة السياسية التقدمية قادرة على مواجهة التطرّف والإرهاب، ولهذا كان لزاماً رفع شعار الفنّ بوصفه الدستور الجمالي الذي من شأنه إزاحة الظلامية. على هذا النّحو، كان مسرح الشارع هو الأقرب إلى تنزيله في الفضاء العمومي، ولنا أن نذكّر بتجربة “فنّي رغما عنّي” التونسية التي خرجت إلى الضوء أوّل الثورة التونسية وكانت من خلال عروضها المسرحية في الشوارع والفضاءات المفتوحة طاقة ثورية خلاقة ساهمت في تعرية التطرّف وفضح الممارسات الفاشية والرجعية إلى حدّ تعرّض فيه أعضاء هذه المجموعة إلى المضايقات والتهديد: تجربة رائدة هي الأخرى لم تستمرّ لأنّها سقطت بين أشداق المؤسسة !. الرّائع العملي هو أن يشهد الفضاء العمومي تجربة كهذه حيث تلتحم عروضها بالجماهير الرافضة لشأن اجتماعي أو سياسي مّا، أو هي تحت القمع، وبالتالي ينتفي الحدّ بينها وبين العرض الذي تراه أو تشاهده فتكون مساهمة في صناعته إذ لم يعد المؤدون وحدهم ينجزون عروضهم بشكل مستقل. هكذا تتحوّل مشهدية الحدث السياسي أو الجمالي في الفضاء العمومي وتلك من مهامّ مسرح الشارع بوصفه فنّا لصيقا بهموم الجماهير ومعالجا لقضاياهم بشكل مباشر خارج أطر المسرح الاعتيادية أين تُقَدَّمُ الأعمال المسرحية في القاعات المغلقة وتنتهي بمجرّد انتهاء عرضها.
إنّ ما يمكن أن يقدّمه الرّائع العمليّ لمسرح الشارع هو إعطاءه القيمة من حيث معالجته القضايا المصيرية لمجموعة مّا من البشر، وهو تحصينه من السقوط في مهنة التزييف والخداع الفني. أمّا أن يحدث هذا المسرح بإيعاز من مهرجان مّا، أو من خلال مساندته من قبل مؤسسة سياسية أو مؤسسة مسرحية فهذا عين التحريف الذي يصيب هذا المسرح، بل ويدفعه إلى تحريف عبقه ومهامّه. للأسف، ثمّة تجارب تدّعي أنّها تمثل مسرح الشارع وتصنّف نفسها ضمن هذا الإطار، ولكنّها في الحقيقة غير ذلك، وإلا كيف يمكن أن نفسر عروضا مسرحية تحدث في الشارع ونصها المنطوق جاهز سلفا؟ كيف يمكن أن يصنّف عرض مّا نفسه بمسرح الشارع ونصّ الممثلين جاهزٌ منْ قَبْلُ والحال أنه من المفترض أن يكون النص وليدا للحدث الفرجوي بعد اللقاء مع الجمهور الذي سيساهم هو الآخر في اختراق الفضاء العمومي جماليا ومسرحيا؟
أن يكون لدينا “مسرح الشارع” فهذا حدث جمالي مهمّ في مدننا العربية، ولكن لا يتوجب الاطمئنان لمثل هذه التجارب التي نراها، لأنها تمارس في غالبية الأحيان تحريفا مفهوميا على هذا النوع المسرحي. إن مسرح الشارع مرتبط بشكل رئيس بالرائع العملي، وهذا الرائع هو الميدان الثوري للجماهير.


