المجال وتفجير الطاقة الإبداعية
د. محمد جلال أعراب
جامعة ابن زهر أكادير
على سبيل التقديم
تمثل علاقة فنون الأداء بالمدينة أهم مباحث الفلسفة المعاصرة والدراسات الفرجوية. بعد فترة طويلة من الزمن، انتبه الدارسون من مختلف التخصصات والمشارب إلى هذه العلاقة التي تعود أصولها إلى حضارات قديمة، ضاربة جذورها في عمق التاريخ. وزادت التحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأنماط العيش والتفكير، منذ منتصف القرن الماضي من اتساع مساحة هذا الاهتمام ، على إثر تأزيم la mise en crise الحداثة، والدعوة إلى أفكار ما بعد الحداثة، وخلخلة المنظومات القيمية الإنسانية، نتيجة سلسلة من الحروب والنكسات والنكبات، فانصب الاهتمام على المدينة La cité ، والعمومية Publicité، والتجاذبات القطبية الإيديولوجية، والنقاش العمومي حول جملة من القضايا الساخنة ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلبية والعقائدية، والحركات الاحتجاجية لدى الأقليات المضطهدة عنصريا، ومجموعات أخرى متبنية لمشاريع وفكر تحرري ، نحو حرية المعتقد، وحرية السلوكيات الاجتماعية في الفضاء العمومي، والحركات المثلية، والجنوسية، والدينية…إلخ، عجلت بظهور عدد من الممارسات الأدائية والفنية والجمالية، مركزها المدينة، ورحاها الشوارع والأزقة والفضاءات الهامشية.
تشكل هذه المعطيات التاريخية والفلسفية خلفية فنون المدينة وتجلياتها الأدائية في الفضاء العمومي – سواء بشكل صريح وعلني أو بطريقة خفية ومبطنة، وفي نفس الوقت مع وجوب التأكيد على الطابع العفوي والحاجة الاجتماعية التي كانت من وراء تمثلات الكثير من عناصر الثقافة الفرجوية في الفضاء العمومي. ارتبطت بالطقوس والعادات والشعائر والخلفيات الدينية (كما هو الشأن في تعازي الشيعة في ذكرى واقعة كربلاء)، والتعابير الفنية والجمالية في ثقافة البحر الأبيض المتوسط (الكرنفال، الكوميدي الدي اللارتي، السامر، الحلايقي، الألعاب البهلوانية، وبوجلود، والسيرك، وما ماثل ذلك من تنوع ثقافي فرجوي…).
سنحاول توسيع العناصر الواردة في ما سبق للوقوف عند العلاقة المتراصة بين فنون الأداء و المدينة، استجلاء لخصوصياتها وصيروراتها، وما تفرضه من تطور وتقاطع وتجاذب وفق المنظورات المتجددة والدائمة لفضاء المدينة، وديناميتها في الحياة الاجتماعية للإنسان داخل الجماعة والدولة والانتاج الجمالي.
الحاجة إلى فضاء عمومي منتج
ميز إيمانويل كانط في مشروعه الفلسفي بين الاستعمال العمومي للعقل، والاستعمال الخاص للعقل، فربط الأول بالقراءة والأداء والحوار والسجال والتجمعات البشرية، وربط الثاني بممارسة المسؤولية. ومزج بين الحرية والعقل والأنوار. فالاستعمال العمومي للعقل يكون دائما حرا، وهو وحده القادر على نشر الأنوار بين الناس، بينما الاستعمال الخاص قد يكون في العديد من الحالات محدودا بشكل صارم دون أن يعوق ذلك بوجه خاص تقدم الأنوار. والمقصود – عند كانط – بالاستعمال العمومي هو استعمال العقل بوصفه عالما أمام الجمهور بأكمله الذي هو عالم القراءة. ويسمي كانط الاستعمال الخاص ذلك الاستعمال للعقل، المسموح به للمرء في ممارسة المسؤولية أو الوظيفة التي أسندت إليه بوصفه مواطنا. استلهم يورغن هابرمس من كانط مبدأ العمومية Publicité لتجديد المنظور الفلسفي للفضاء العمومي، ومنحه بعدا سياسيا، ليصبح المجال العام le sphere public مكونا أساسيا للرأي العام السياسي، وقوة اقتراحية فاعلة في نضالها وتفاعلها مع أجهزة النظام التي تقوم بفعل حيازة الفضاء العمومي وضمه إلى مصالحها والهيمنة عليه، لأن التحكم Manipulation فيه وتملكه، هو ضمان لسيرورة الحكم و النظام. ويعلن هابرماس في كتابه “تحول بنية الفضاء العمومي :دراسة حفرية في مقولة المجتمع البورجوازي ” عن كيفية تشكل جمهور بورجوازي نقدي بعد الثوة الإنجليزية في القرن 17، وما تلاها من ثورات في أوربا بين 1710 و1730 م ، حيث خرجت إلى الوجود مجموعة من الجرائد المستقلة عن الدولة، و ينتمي أصحابها طبقيا إلى البرجوازية، وهي طبقة معارضة للأرستقراطية. وقامت الدولة آنذاك بمراقبة التجمعات في المقاهي وصالونات الشاي باعتبارها أماكن احتوت نقاشات قوية ضد الحكم.
ومن هذا المنظور ، شكلت منذ أيام الأغورا – حسب نانسي فريزر – عنوانا لأثينا الديمقراطية، ومحورا للسجال والنقاش والعدالة. وقد تجدد النقاش حول الفضاء العام منذ الستينات الذي تألق فيه هابرماس، تأسيسا ومراجعة وتطويرا، لمشروعه الفلسفي، ليصل إلى ما يسميه ب “أخلاقيات المناقشة والتواصل السياسي الإيجابي”. وقد منحت نظرية هذا الفيلسوف فرص ظهور بعض المفاهيم والمصطلحات وتداولها في ثقافتنا المعاصرة، نحو، العدالة، الديمقراطية التشاركية، الدولة الوطنية، المجتمع المدني، الاستعمال العمومي للعقل في تدبير الفضاء العمومي وتسييره….لكن هذا المنظور أصبح كلاسيكيا بالمقارنة مع التحولات التاريخية والأبحاث الفلسفية والدعوات الإيديولوجية المعاصرة، ليتولد من رحم الفضاء العمومي البرجوازي فضاء عمومي نقدي شعبي معارض oppositionnel، الفرق بينهما، هو أن الأول ارتبط بالجرائد والبرلمان، في حين ارتبط الثاني بنقاشات الحركات الشعبية الاحتجاجية. والنوع الثاني هو الأهم اعتبارا لقيمته التاريخية والواقعية، وقوته في استثمار الفضاء العمومي، وتشكيل رأي عام مضاد، متمرد، ثائر. يساهم في النقد ومناقشة السياسات العمومية للدولية، ويدعو إلى الديمقراطية التشاركية، وهي قيم حققت نتائجها مع الألفية الثالثة في الكثير من الدول التي تعيش القهر والاضطهاد.
إن التحديدات الفلسفية والمفهومية للمدينة واشتغالاتها الإنتاجية وسيروراتها التأويلية بحضور المقاربة السوسيولوجية، والحقوقية، وجغرافية المجال، وسيميائيات الفضاء العمومي، وفنون الفرجة والأداء، والإعلام والميديا ودورهما في تشكيل الرأي العام ، والإنتاج الأدبي والفضاء العمومي، وسياسة المدينة / الدولة، ودور الدين في الفضاء العمومي و وقوته…وغيرها من الأسئلة التي تجعل من الأداء وفنون المدينة مدارا للإنتاج والتأويل.
الشارع باعتباره نصا
خضع مفهوم النص لاجتهادات واسعة في المحددات والخصوصيات لدى اللسانيين والسيميائيين والأنتروبولوجيين والسوسيولوجيين وحقول معرفية أخرى. جعلت هذه الاجتهادات من النص أفقا واسعا يتجاوز ربط النص بالمكتوب والأدبية والنصية التقليدية. فالانتقال من النص إلى الخطاب، باعتبار هذا الأخير ليس منبته الكتابة فقط، بل نصوص أخرى تشكلها أنسجة خطية أو غير خطية، متماسكة أو مفككة، حاضرة أو غائبة.
وقد تنتشر هذه النصوص في اليومي، والمتخيل، والمعيش، والمرئي بالصدفة أو بالتواطؤ. هي نصوص حاضرة معنا ومنا. وقد نجازف القول مع السيميولوجيا الاجتماعية لاعتبار “أن الشارع نص متماسك يمكن قراءته، واستخراج القوانين البنيوية التي تسيره. وهو بذلك لا يختلف عن بقية النصوص الأدبية، يتقبله المار في شكل مقتطفات مجزأة خارج سياقها النصي التكاملي. ولا يرى ما يربط بين مفاصل الشارع (عناوين المحلات التجارية، تسميات الشوارع، الصورة الإشهارية، الهندسة المعمارية، …إلخ) من روابط وقوانين. فهو لا يدرك منها إلا ما يهمه (كالبحث عن مغازة أو إدارة أو شيء يريد شراءه) . ويعسر بلوغ القوانين المتحكمة في هذا النص ما لا يدرك باعتباره كلا متكاملا تترابط أجزاؤه في ما بينها.)”1 فهو نص مفتوح على كل القراءات التأويلية الممكنة. هذا الغنى المميز لخاصية المدينة باعتبارها نصا تجعله منتجا لحقل دلالي متعدد polysémie ،تتحقق فيه الدلالات الممكنة التي ترومها مناهج الدرس للنصوص “على أن نصية الشارع تخترق فضاءات متنوعة، كالفضاء المدرسي والفضاءات العمومية والميترو أو الحافلة والشارع والنهج والحي السكني والحومة التي يمكن البحث في نسقيتها. فهي نتاج تجربة الإنسان، وهو يحقق وجوده داخل المجتمع.”2، بل يذهب أحدهم إلى نقطة أبعد من ذلك، حين تحدث عن ما سماه ب “بلاغة النص الكروي”: ” في كرة القدم لا يوجد (نص) مقروء، إنما ثمة نص مرئي، عياني، ولكنه نص صامت، نص أبكم. لا تسمع فيه غير ديكورات خارجية لصيحات جمهور يريد الفوز بأي ثمن، وهي صيحات لو حجبناها لن تظهر سوى أصوات اللاعبين ونداءاتهم على بعضهم”3، ثم يضيف: “نص كرة القدم ليس كرويا بالضرورة، لكنه نص تتمحور فيه وحوله جملة معطيات فنية تتحرك أفقيا و عموديا لتشكيل بنيته الأساسية كنص مفتوح أولا، لكنه قادر أن يتشكل في اتجاه يتمكن فيه من أن يكون نصا احتفاليا جماهيريا قابلا للتوسع عبر حشد الرموز الموفورة….”4.
سمحت تطور مناهج العلوم الإنسانية ومرونتها المكتسبة، وبفضل تطويرها عبر الممارسة والبحوث الميدانية، والمعاينة الإجرائية، ورصد الحصائل والنتائج المؤدية إلى استخلاص القوانين والحقائق العلمية الثابتة، تأهلت مجالات نشيطة، كانت من قبل، مبعدة من حقل الدراسات والمقاربات البحثية، مثل ظاهرة اللعب الرياضي، والتجمعات البشرية في الفضاء العمومي، والأحجام والأشكال الإشهارية في الساحات، والممرات، والطرقات، والواجهات…. انتقلت مناهج العلوم الإنسانية من مقاربة النصوص المكتوبة التقليدية والحديثة إلى نصوص أخرى مرئية، وشفاهية. هذا التحول في اشتغالات المناهج كفيل بإنتاج معارف ورؤى جديدين.
الشارع باعتباره فنا
تتجسد عملية استثمار المدينة لإنتاج فنون الأداء، وإقامة أعمال كبرى، من خلال تجارب متعددة في فنون المدينة، يصعب حصرها وتحجيمها، لأنها مفتوحة إبداعيا وجماليا، بانفتاح المدينة فضائيا. ورغم تعدد الأشكال الفرجوية التي اكتسحت فضاءات المدينة. وشكلت مع هذا التوسع والاكتساح كثافة وتنوعا في مختلف الثقافات الفرجوية. أجدني مندهشا أما تجربة لاقت اهتماما عالميا في السنين الأخيرة. وتمثل جمعا للفنون وأساليب التفضية، والبروكسيميا في رص العلاقات بين الأداء الآلي والميكانيكي أحيانا، وإنتاج الأنساق الدلالية في المدينة من لدن الجمهور والزوار. تتلخص هذه التجربة في أعمال كريستيان بولتانسكيChristiane Boltanski الذي خرج من غرفة منحوتاته ولوحاته التشكيلية المغلقة إلى فضاءات المدينة المفتوحة والواسعة، ليحولها إلى تنصيباتة5 فنية وجمالية، أذهلت المتتبعين ورواد فضاء العرض على امتداد شهرين متتاليين بباريز.
“أشخاص” “Personnes”6 هو العنوان الذي أطلقه بولتانسكي على عمله التنصيبي. يصعب إطلاق كلمة مسرح على هذا العمل، كما يصعب إطلاق كلمة أداء، فالأقرب إلى الظاهرة والمعنى هو كلمة فرجة Spectacle. والفرجة7 أعم من المسرح والأداء. وقد نهج بولتانسكي نفس الطريقة في أعماله الأخرى: No mans land – Après – Les archives du cœur، مما يعني أن الرجل له تصور واختيارات عملية في تجربته الإبداعية. وتحوله من النحت إلى الفرجة بواسطة التنصيبات، سواء عن طريق الصوت كما هو في عمل “أرشيفات القلب”، أو عن طريق الأشياء، مثل ما هو وارد في عمل “الأشخاص”.
أنجز تنصيب “أشخاص” بمناسبة الدورة الثالثة للآثار MONUMENTAمن 13 يناير إلى 21 فبراير 2010. ينظم هذا الحدث الفني الكبير من لدن وزارة الثقافة الفرنسية مع شركاء آخرين بالمتاحف الوطنية (القصر الكبير) بباريز، حيث تكلف إدارة المهرجان في كل دورة أحد الفنانين المعاصرين المرموقين بإنجاز عمل ضخم في فضاء المهرجان. وكانت دورة 2010 خاصة بالفنان كريستيان بولتانسكي.
يرمي تنصيب “أشخاص” إلى إبراز التحولات الأخيرة المرتبطة بالحقل الجمالي. و هي نفس التحولات التي أثرت على موقع المتلقي في الفرجة من خلال احتلاله موقعا جديدا فيها. وأصبح يعيش لحظة حاسمة تتجلى في انتقالات ” نظام العرض للفنون” إلى ” النظام الجمالي للفنون”. تحول تنصيب “أشخاص” إلى مسرح التجربة théâtre de l’expérience وجمع بنجاح بين فنون الزمان les arts de temps، وفنون المكان les arts de l’espace. أدى هذا الجمع إلى نجاح التجربة في فضاء مفتوح، أثري8، يتوافد عليه الجمهور طيلة وجود هذا التنصيب. قبل ولوج الجمهور للفضاء المخصص للتنصيب الفني “أشخاص”، وضع بولتانسكي حائطا ضخما يضم خمسة آلاف وستمائة علبة صلبة حديدية وصدئة من البسكويت،. ألقي بهذه العلب في صهريج كبير، وأضيف إليها الماء القاطع لتصدأ وتتفسخ بسرعة….ويعتبر الحائط بالنسبة إلى المخرج لحظة فاصلة بين عالمين متباينين: العالم الخارجي، والعالم الداخلي. يؤسس بولتانسكي بهذا التصور، قطيعة بين العالم الخارجي الذي جاء منه المتلقي، والعالم الداخلي الذي يسميه بعالم “جهنم”.
بمجرد تجاوز الحائط ، يجد الجمهور نفسه أمام أرضية بالإسمنت، شكلت فوقها تسعة وستون مستطيلا كبيرا، ويحوي كل مستطيل ستون معطفا مستعملا، فيما مجموعه أربعة آلاف ومائتا معطفا. وضعت المستطيلات بطريقة سيمترية، صنفت إلى مجموعتين: الأولى، عبارة عن ثلاثة صفوف أفقية، والثانية عشرات من المستطيلات العمودية، يتجول الجمهور بين هذه المستطيلات، ويوجد عمود من الحديد الصدأ في منتهى كل مستطيل. ووضعت الملابس المستعملة فوق الأرض. ووضع في كل عمود حديدي صدأ، مكبر صوت، أصوات متباينة ل”دقات القلب”، تصل إلى سبعين دقة مختلفة. ولخلق طقس مسرحي معين، تم الاستعانة، بإضاءة خافتة ألقيت على الملابس المستعملة.
في مدخل المكان، يوجد درجان، وضع أمامهما ركامان كبيران من الثياب المستعملة، في الوقت الذي تقوم فيه آلة تنزل من الأعلى للإمساك ببعض الثياب ورفعها إلى الأعلى، ثم تعيد إطلاقها فوق الركام الكبير، بطريقة ميكانيكية، وسيزيفية. يتحدث التنصيب ” أشخاص” عن الموت، وحين تلقي الآلة الميكانيكية بالملابس المستعملة من الأعلى إلى الأسفل، دون وجود جسد يستعمل هذه الملابس، فهي تتعامل مع الغياب، مع الموت9.
يحمل تصور بولنتسكي للتنصيب نزوعا نحو خلق ملتقى لفنون الزمان وفنون المكان، والميل إلى الإبهار والإدهاش، من خلال اللامتوقع في الترتيبات الإخراجية للتنصيب، وإضفاء نوع من الورع والهيبة على أعماله، للانتقال بها من العادي إلى المدهش. ويجسد تنصيب “أشخاص” هذا التصور، وهذه الغايات، ليضطلع بمهمة خلق مناخ خاص داخل فضاء التنصيب، حيث تصبح الأشياء والأحجام والآلات والكم والدورة السيزيفية القاتلة، وإقبال الجمهور وإدباره، عنصرا به وله ومنه، يتشكل التنصيب وتحيا وتموت “الأشخاص” على يد دخول الجمهور إلى اللعبة، وبواسطة أصوات “أرشيف القلب” المندلعة من مكبرات الصوت التي تعني الحياة والموت في نفس الوقت.
فبالنسبة إلى بولتانسكي ” لابد من وضع شرطية لإرباك المتلقي، مثلا، تقدم كل معارضي في الظلام، على اعتبار أن المتلقي لا يشاهد الأشياء في الضوء والظلام بنفس الطريقة، فالإنسان هش. وهو الآن في مناخ آخر. أنا أعطي أهمية كبيرة للطقس في أعمالي. هناك أعمال ينبغي تقديمها في طقس بارد، وأخرى في طقس حار. وهو عامل مهم لمعرفة مدى حرارة أو برودة رؤية المعرض.”10 تؤثر شرطية المناخ على طبيعة تلقي العمل. وهذا حذو آخر، يحذوه بولتانسكي في تنصيباته وأعماله الفنية – سواء التي تم تقديمها في المعارض والفضاءات المغلقة، أو التي قدمت في إطار التنصيبات والفضاءات العمومية.
تصنيف فنون الأداء في فضاء المدينة
نستند في هذا التصنيف typologie على مجموعة من المؤشرات الدالة على أنماط ونماذج الفنون المشتغلة في المدينة. ولا نقصد بواسطة هذا التصنيف رسم حدود قارة بين الفنون، ووضع أرخبيليات صغيرة تنأى كل واحدة عن الأخرى، بقدر ما هو إجراء منهجي، يروم وضع تحديدات دقيقة في اشتغال هذه النماذج في المدينة من جهة، ومن جهة ثانية التأكيد على مجاورة هذه النماذج وحواريتها وتداخلها في الكثير من اللحظات، وفي العديد من التجارب الفرجوية.
يظهر تصنيف الفنون في فضاء المدينة على الشكل الآتي:
فنون الفرجة التراثية- فنون فرجة الأشكال- فنون فرجة الأداء المعاصر.
يحتوي المكون الأول، فنون الفرجة التراثية على فرجات أدائية من التراث المغربي، مثل الحكواتي، الحلايقي، تاغنجا، سيدي الكتفي، البساط، الأحاجي، ألعاب الأطفال، بيلماون، إمعشارن، إمذيازن، الرقصات الشعبية الغنية بالعنصر الفرجوي والأدائي في أداء هذه الرقصات، وتصميم مراحلها الدالة، مثل، أحواش، اسمكان، العيطة، العلاوي والركادة، والقائمة طويلة. وإذ نحتفي بفنون الفرجة التراثية، وتأهيلها لتصبح فرجة من فرجات الفضاءات العمومية الأصيلة، وذلك لتصحيح المنظور إليها المبني على العنصر التراثي المحنط والفلكلوري السياحي، مع الاهتمام بعناصرها الفرجوية والأدائية العاكسة لثقافة أنتروبولوجية، تعبر من خلالها هذه الآداءات والرقصات والتعابير عن حاجات إنسانية وعلاقات معقدة مع الشعائر والطقوس والكون والإنسان.
وقد انتبهت منظمة اليونيسكو منذ 2003 إلى أهمية الفرجات الشعبية، والموروث الثقافي اللامادي في حفظ وصون الذاكرة الشعبية للأمم والشعوب، وتصنيف بعضها ضمن تسمية “تراث إنساني عالمي”. وقد حظيت جامع الفنا” – على سبيل المثال لا الحصر – بشرف هذه التسمية، وهذا دليل آخر على أهمية ما نصبو إليه في هذا التصنيف والنمذجة.
أما المكون الثاني، فنون فرجة الأشكال، يتجلى في السيرك و الألعاب البهلوانية و الدمى العملاقة ، وظاهرة أولاد سيدي أحمد أو موسى، موكب الشموع بسلا، دمج المواقع الأثرية بفنون الأداء (وليلي، أصوار الإسماعيلية بمكناس، باب فتوح بفاس، باب سيدي عبد الوهاب بوجدة….)، الكرنفالات وحفلات التنكر…. تمتح هذه الأشكال من المخزون الثقافي المحلي والوطني، والمتخيل الأدائي في صناعة هذه الأشكال والأحجام واللعب بها في الفضاء المفتوح والساحات العمومية، والمواقع القديمة للمدن العتيقة وأزقتها، حيث يتناغم عبق الذاكرة والتاريخ مع فرجات الأشكال، يلتحم ويشارك فيها السكان والمتفرجون وصولا إلى إنتاج دلالات إبداعية وجمالية من خلال مهارات اللعب والتحول وتغيير المواقع والمسافات….وتتسم فرجة الأشكال بالعجائبي والغروتيسك والغرائبي، مما يجعلها محطة انتباه وإعجاب المتفرجين.
وفيما يخص المكون الثالث، فنون الأداء المعاصر، تجتمع فيه مسرح الشارع، ومباراة فن الارتجال، والتعبير الجسدي، والكوريغرافيا، والرقص المعاصر. وتتأسس العلاقات المتعددة بين هذه الفنون على الانسجام والتناسج والحوار في فضاء المدينة لخلق نوع من المصالحة مع الفضاء العمومي، والتذوق الجمالي والفني. وخلق أشكال أدائية طالما غيبتها سياسة المدينة التي هي جزء من سياسة الدولة. المساحات العمومية هي الأكثر مجالات قدرة على إبراز الكفاءات والمهارات الإبداعية، ومركزا لبث رسائل التغيير والاصلاح والمشاركة في مناقشة القضايا المجتمعية، والتعبير عن الفئات والأفراد عن الحاجيات والآمال والآلام. بالإضافة إلى جعل الفضاء العمومي مجالان للرأي، وأيضا فضاء جماليا وإبداعيا.
لا نعتبر هذا التصنيف/النمذجة ثابتا، تفصله حدود قارة بين مكوناته، بقدر ما هي صيغة منهجية لتسهيل عملية التخصيص والتعيين في الاشتغال والتمظهر. وإيفاء الثقافة الفرجوية مكانتها في الأنتروبولوجيا الثقافية الهادفة إلى دراسة وتحليل أفعال ومماراسات وسلوكيات الشعوب والمجتمعات، واستنتاج القيم الثقافية والفنية والجمالية. ولا تهدف الأنتروبولوجيا الثقافية بالماضي فقط، بل تعتني بالمعطى المعيش واليومي في حياة الفئات والأفراد في المجتمع.
على هذا الأساس، تتشكل فنون المدينة من ممارسات فنية أدائية، تحتلها مركزية الهجنة والبينية، القائمة على التهجين والأسلبة وحوارية الثقافات والمرجعيات وتناسج الفنون والجماليات، المنحدرة من الماضي والمتخيل والحاضر، والمباشر، نحو العلاقة التي تجمع المؤدين بالجمهور في فنون الشارع المرتجلة، أو مباريات فن الارتجال، أو الكرنفال بوصفه خشبة متحركة une scène mouvante، أوالتنصيبات الركحية .Les installations scéniques وتتأكد سيرورة العودة إلى الساحات المفتوحة، والأماكن المكتظة بالناس، مثل الميترو، ومحطات المواصلات، والأسواق، والمواقع الأثرية….بألوان إبداعية وجمالية، تمتح تارة من الموروث الثقافي المادي واللامادي، وتارة أخرى تتوسل طرائق تجريبية أدائية ومسرحية، تترجم الطاقة الإبداعية للمؤدين وتفجيرها لجعل فضاء المدينة فضاء عموميا بمفهوم هامبرماس، فضاء للحوار والمناقشة والجمال والتأثير في المتفرجين قصد بث روح المبادرة والمشاركة والتغيير.


