تأصيل المفهوم ورهانات الاشتغال
د. محمد جلال أعراب
مقدمة
يتميز الفن المسرحي بسنة التحول والتغيير والمنعطفات في البنيات والقوالب والأشكال. ما يبرر هذا التميز هو ارتباط المسرح بالانفتاح والإبداع والتخييل والتجريب. وعلى مر العصور والتاريخ لم يستقر المسرح على ثوابت يقينية أو هياكل قارة للإبداع، بل عناصر التحول والتشعب قدره ومصيره. وهذا ما جعل منه فنا حضاريا ومدنيا وثقافيا، يتغير بتغير الحضارات والمدائن والثقافات. يصبو إلى التنوع والاختلاف والثراء، وترسيخ وجوده ضمن نسق الفنون الحية les arts vivants، وتناسجها الثقافي والفني مع فنون أخرى مجاورة.
أحدثت رياح التغيير الاجتماعي، وأسئلة عنف الواقع وملابساته، والتحولات البنيوية في المنظومات الفكرية والسياسية والإيديولوجية، ظهور أشكال جديدة في التعبير والممارسة الفنية والجمالية والمسرحية. تكرست مع طلائع الألفية الثالثة، وأصبحت بدائل دراماتورجية، تنهل من هذه التحولات والمنعطفات التاريخية، وتعبر عنها بأساليب جديدة، اتخذت من الساحات العمومية، والفضاءات المهمشة، والأماكن المحظورة، مساحات للعب والإبداع. وتأسيس علاقات جديدة مع المتلقي من خلال تكسير بنيته التقليدية، وإنشاء علاقات جديدة تقوم على التحفيز والمشاركة والتفاعل والمساهمة في صنع الحدث الثقافي والفني والجمالي. ويندرج في هذا السياق، ما يطلق عليه ب”المسرح الاجتماعي” الذي ثبت حضوره المشروع اعتمادا على دوره الطلائعي في تجديد الخطاب المسرحي وملاءمته لتطلعات الجمهور وآفاق انتظاره من الفرجة.
وعليه، سنخصص هذه المقالة للحديث عن المسرح الاجتماعي، نروم المساهمة في خلق لبنة أساس، تعمل على تأصيل المفهوم، والوقوف على رهانات اشتغاله، و التفكير في تشريح هذا الجنس الدرامي، وإبراز خصوصياته ، انطلاقا من الإحاطة بالظاهرة المسرحية وشعابها، والنحت في مفهوم المسرح الاجتماعي واستجلاء تمسرحه، ورصد المرجعيات المؤسسة له، مثل، الكوميديا الدي اللارتي الإيطالية، والمسرح الملحمي لبرتولد بريشت، ومسرح المقهورين لأوغستو بوال. كما تتطلب المقاربة التحليلية لهذا النمط من الفرجة إلى البحث في الصلة بين المسرح الاجتماعي وفعل الاحتجاج والفضاء العمومي. وقد تثير وضعية المسرح الاجتماعي المرتبكة إلى تحديد العلاقات بين المسرح…الفرجة…الأدائية أو ما نسميه ب المتصل /المنقطع في المسرح الاجتماعي، مع إبراز أشكال فرجوية تجمع بين الموروث والمعاصر في استعادتها للفضاء العمومي، مثل، تمسرحات الطقوسي والديني، ومباراة الارتجال. استشرافا لمحاولة تحديد مورفولوجية المسرح الاجتماعي ضمن دينامية المسرح المغربي، واستحضار بعض التجارب في هذه الدينامية، مثل،رهانات فرقة كورارا في استعادة الفضاء العمومي واختيار المسرح الاجتماعي، ومهرجان أكادير الدولي لفنون الأداء: الجداريات ذاكرة المسرح.
يندرج المسرح ضمن الفنون الحية: les arts vivants. تقوم صفة “الحية” على ما يسمى ب“الإبداع المباشر” (C .E.D)، création en direct ،أي في ذات الوقت الذي ينتج فيه المعنى la production du sens، ينتج معه تحقيق المعنى la concrétisation du sens من قبل المتلقي. فإنتاج المعنى وتحقيقه لا يرتهن بالوسيط l’intermédiaire ، كما هو الشأن في فنون أخرى مثل السينما التي تحتاج فيه وصول المعنى إلى المتلقي عدة مراحل، منها التصوير، المونتاج، العرض، مما يجعل إنتاج المعنى وتحقيقه لا يخضع للتلازمية والتزامنية .
مكنت صفة “الحية“ اللصيقة بالمسرح الحصول على التنويع في الإنتاج وتعدديته، و خلق فرص كثيرة للتطور والإبداع والتجريب، وظهور أشكال تعبيرية مسرحية بتعدد التجارب والحساسيات والجماليات والاتجاهات والمدارس والنظريات والممارسات والشعريات والدراماتورجيات، المرتهنة بالمنعطفات والتحولات . ومن رحم هذا التعدد والتنوع، تشكل “المسرح الاجتماعي” وتبلور.
تشي تسمية “المسرح الاجتماعي” بخاصية متميزة للمسرح، وهي الحمولة الاجتماعية لهذا المسرح. و هي إحالة ضمنية على طبيعة الفن المسرحي وانشغالاته بالقضايا المجتمعية، والتعبير عنها ومقاربتها دراميا وفنيا وجماليا. قد لا تقف هذه الصفة عند ماهية المسرح وجوهر الدراما فحسب، بل قد تهم مورفولوجية المسرح، ولحظة تشكله في أحضان الناس، ومن الناس، وإلى الناس، بدون قيد أو شرط في الفضاء المفتوح ، ويحقق حياة اجتماعية وشعبية، بعيدا عن الانتقاء والنخبوية والصرامة في مشاهدة العرض المسرحي وولوجه والمشاركة فيه.
تتوسل العلاقة بين “المسرح” و”الاجتماعي” مظهرين أساسيين، الأولى، ترتبط بتيمات ومضامين الفعل الدرامي، دون التركيز على الشكل الذي يقدم فيه هذا الفعل، سواء كان في فضاء مغلق أو فضاء مفتوح. والحالة هذه، يعتبر المسرح من أكثر الفنون المعبرة عن الإنسان في أبعاده وتجلياته، منها بالأساس البعد الاجتماعي: حياة الإنسان، ظروف عيشه، أحلامه، آماله، آلامه، علاقته الأفقية داخل المجتمع، وعلاقاته العمودية مع الدولة وأجهزتها الحاكمة وصراعاته الأنطولوجية من أجل الحق والعدالة والعيش الكريم. فالانشغال المسرحي في هذا السياق، انشغال اجتماعي بالدرجة الأولى. الثاني، البعد الاجتماعي المتشكل عبر الفعل المسرحي في الفضاءات المفتوحة الضامنة لحرية الولوج إلى الفرجة، حيث تنمحي القيود والشروط، وطبيعة العلاقات التي تجمع بين المؤدي والمتلقي. المتلقي في هذا السياق، يتحول إلى متفرج، مشارك، ومساهم في إنتاجية الفرجة، أو بشكل أدق، يصبح المتفرج ممثلا spect-ateur.
في هذا السياق، تثير مسألة الفضاء العمومي، بوصفه مفهوما استراتيجيا في التفكير الفلسفي المعاصر ومجالا خصبا في الممارسات الفنية والمسرحية الراهنة، وضعا إشكاليا في التحديد والأجرأة والاشتغال. لذا، يمكن أن ننظر إلى الفضاء العمومي من زاوتين مختلفتين:
- الفضاء العمومي بمعناه الفيزيقي، المادي (ساحات، مقاهي، تنقلات سكان المدينة لقضاء احتياجاتهم وأغراضهم، التسوق، التجوال،……)، وهو فضاء عادي يدخل في الروتين اليومي، ….
- يتحول هذا الفضاء إلى فضاء عمومي، ويكتسب مظهرا آخر نتيجة حدث ما يقع فيه وبه ( احتجاجات مطلبية، مظاهرات سلمية، أداء فني موسيقي أو مسرحي أو سيرك….). وهي اللحظة التي ينتقل فيها المواطن من الممارسة العادية والطبيعية إلى موقع آخر، يتطلب منه المشاركة والتدخل والتفاعل. وهنا يشرع الفضاء العمومي في التحول والعمل على تشكيل الرأي العام المضاد، حسب هابر ماس ونانسي فريزر. وهو فضاء عمومي ذا طابع فلسفي وسياسي وإيديولوجي.
ويعد سؤال الفضاء العمومي من أبز الأسئلة التي اشتغل عليها المسرح الاجتماعي، على أساس، احتوائه للمادة الأساسية في الاشتغال الدرامي. وقد تستبطن الكثير من التجارب المسرحية الاجتماعية هذا المكون الأساس، من خلال تتبع أصولها وجذورها.
يقتضي تقفي أصول المسرح الاجتماعي، الوقوف عند جذوره وبوادره وتمظهراته في تجارب مسرحية، تعتبر مرجعيات مؤسسة له، ومساهمة في أصالته وامتداده. قد تكون هذه المرجعيات متعددة الروافد، لكننا آثرنا اختزالها في ثلاثة مرجعيات أساسية: الكوميديا الدي اللارتي الإيطالية، المسرح الملحمي لبرتولد بريشت، ومسرح المقهورين لأغوستو بوال.
تنصرف الكوميديا الدي اللارتي إلى إيجاد آليات أخرى لتفعيل الفرجة وديناميتها، وتكسير آليات نصية عتيقة. فموت النص في الكوميديا الدي اللارتي يحتم خلق أدوات أخرى للإنجاز المسرحي. ويحفز النص المفقود الكوميديين الدي اللارتيين على الاعتماد على فعلين أساسين هما: اللعب والارتجال.
ولما كان اللعب فعلا يتأسس انطلاقا من الحركة، والجسد، والإيماءة، والتواصل الحركي، ويشتغل على عدة إواليات منها:
- التركيز على إيمائية الوجه التي تخصص لإبراز بعض الشخصيات.
- التركيز على الأقنعة من أجل إظهار المبادئ المتعلقة بالكوميديا الدي اللارتي وترسيخ التعبير الملموس.
- جعل حركة الممثلين حرة وتلقائية.
- البانتوميم مستلهم من الحركات الطبيعية.
إن الكوميديا الدي اللارتي فن شعبي اجتماعي ضمن لنفسه الخلود من خلال عدة عناصر نجملها في النقط الآتية:
- الشعبية: لأنه فن نابع من الشعب وإلى الشعب عبر ملامسة ساخرة لليومي والعادي.
- الواقعية: معالجة قضايا المعيش اليومي.
- إشراك المتلقي في الإبداع المرتجل.
- قيامها على ثنائيات ضدية، مما جعل مساحة السخرية تتسع في عروضها.
- الاعتماد على شخصية نمطية: في الكوميديا الدي اللارتي يقوم أرلوكان مقام المنتج والمحول لكل العلامات والدلالات في العرض المسرحي.
وعموما، نشير إلى أن فن الكوميديا دي اللارتي يشكل رافدا أساسيا من روافد مسرح الساحات العمومية، وأحد الركائز التي اتكأت عليها تجارب مسرحية معاصرة في الفضاء العمومي، وبشكل خاص المسرج الاجتماعي.
وتتمثل المرجعية الثانية للمسرح الاجتماعي في المسرح الملحمي لبريشت. ويعتبر هذا المسرح نموذجا مسرحيا ملتزما بالبروليتاريا، وسياسيا بهدف الانشغال بالقضايا المجتمعية، والإنسان في زمن البرجوازية المتوحشة. توسل النظرية الماركسية اللينينية إيديولوجيا، والأدبيات اليسارية القائمة على العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان مذهبا. وقد مارس المسرح الملحمي تأثيره الواسع على مسارح العالم عموما، والمسرح العربي، ومنه المسرح المغربي خصوصا. وكانت الحاجة إليه ملحة، اعتبارا للجماليات والتقنيات التي حملها إلى المسرح، مثل، التباعد، والتغريب، والمسرح داخل المسرح، ناهيك عن الحظوة والمكانة التي تبوأها المتلقي في هذا المسرح، وإبدال موقعه السلبي في المسرح الدرامي بموقع إيجابي، تجلى في المشاركة والتفاعل والدينامية.
إضافة إلى هذه المرتكزات الأساسية، استفاد مسرح بريشت بالنظام الدراماتورجي الصيني في بناء الفرجة، مثل، الجستوس Gestus، وهو الحركة الإشارية الدالة التي تجد لها أصولا واتفاقات في سلوكيات الفرد داخل المجتمع. ولا يخفي بريشت في كتابه “كتابات حول المسرح” إعجابه بالممثل الصيني وقدرته على خلق الصور والمعاني لذا “حين نشاهد ممثلا صينيا-على حد تعبيره- فإننا على الأقل نشاهد ثلاث شخصيات في نفس الوقت، شخصية تعرض وإثنتان معروضتان. وليكن إنه يشخص فتاة تحضر الشاي، يعرض الممثل تحضير الشاي وطريقته بحركات مضبوطة تتكرر بإتقان كبير، وبعد ذلك يعرض فتاة كيف هي هل هي نشيطة مثلا أو صبورة أو عاشقة، ويعرض في الآني نفسه كيف يعبر الممثل عن نشاط الفتاة أو صبرها أو عشقها بحركات مكررة”. هذا الإعجاب الذي أصاب بريشت من دقة جماليات الممثل الصيني دفعه إلى البحث في آليات هذا الممثل والاستفادة من إنجازاته وتجاربه. والممثل في المسرح الملحمي، إن أمعنا النظر ووضعناه أمام المقارنة بينه وبين الممثل الصيني لوجدناهما يلتقيان في الكثير من الحالات.
إن المشروع البريتشي يقوم على برنامج وافي الخطوات والمنهج. وإذا كنا قد تناولنا بعض فقراته وصوره ضمن مفهوم الجستوس ، فإن الفقرات الأخرى لا تعدو أن تسير في نفس الطريق، مستفيدة من المسرح الصيني. ويأتي على رأس الفقرات الأخرى مفهومي الخفة والأناقة اللتان خصهما بريشت بمساحات لا يستهان بها من تفكيره وتنظيره وإبداعه.
زيادة على المرجعيتين السابقتين، يعد مسرح المقهورين لأغوستو بوال مرجعية من المرجعيات الأساسية في انبلاج ظاهرة “المسرح الاجتماعي”. يعتمد مسرح المقهورين على ثلاثة مسالك أساسية في تكوينيته الفنية والجمالية والتيماتية:
- المسرح اللامرئي: Le théâtre invisible
- مسرح الصورة Le théâtre de l’image
- مسرح المنتدى Le théâtre de forum
تلتئم المسالك الثلاثة المحددة سلفا في مسرح المقهورين حول مركزية إيديولوجية وفنية، تقوم على التحرير ومكافحة القهر عبر النضال المسرحي، وقد أثار باولو فرايري الذي يعتبر أحد المفكرين الكبار المؤثرين في بوال ، أسئلة محورية تتضمن، من بين ماتتضمن، ضرورة تأسيس ابستيمولوجيا القهر باعتبارها علما يتكأ على مناهج السوسيولوجيا لتحديد ماهية القهر، وتجلياته، ومظاهره ، وانعكاسه السيكولوجي على الفئة المقهورة داخل المجتمع، وطرق التخلص منه، وسبل النضال التي ينبغي سلوكها من لدن الإنسان المقهور لتحقيق الحرية والكرامة وإنسانية الإنسان. وما مسرح المقهورين إلا وسيلة من الوسائل الكثيرة الأخرى الكمينة بالثورة والاحتجاج. وقد حقق مسرح أوغستو بوال نتائج مهمة في تعاطيه مع الانسان المقهور ، اعتماد على عدة أسس وقواعد وتقنيات فنية وجمالية، وادماج المتفرج في اللعبة المسرحية، واستبدال موقعه من المتفرج المستهلك إلى المتفرج المنتج في مقاربة اليومي والمعيش.
يتجلى وجود اليومي والمعيش من خلال سلوكيات الناس وممارساتهم في الفضاءات العمومية المغلقة، وفضاءات العالم الأزرق، والفضاءات الحميمية الخاصة، والساحات العمومية الشعبية والجماهيرية. وقد شكلت هذه الأخيرة مباحث الدرس الفلسفي المعاصر لأهميتها في تشكيل الرأي العام، ودورها التاريخي في التغيير. وقد استطاع الفيلسوف الألماني يورغن هابرمس أن ينتج مرجعية علمية وأكاديمية في مقاربة الفضاء العمومي، وإبراز أهميته في النهضة والأنوار.
استلهم يورغن هابرمس من كانط مبدأ العمومية Publicitéلتجديد المنظور الفلسفي للفضاء العمومي، ومنحه بعدا سياسيا، ليصبح المجال العام le sphère public مكونا أساسيا للرأي العام السياسي، وقوة اقتراحية فاعلة في نضالها وتفاعلها مع أجهزة النظام التي تقوم بفعل حيازة الفضاء العمومي وضمه إلى مصالحها والهيمنة عليه، لأن التوجيه والتحكم Manipulation فيه وتملكه، هو ضمان لسيرورة الحكم و النظام. ويعلن هابرماس في كتابه “تحول بنية الفضاء العمومي :دراسة حفرية في مقولة المجتمع البورجوازي ” عن كيفية تشكل جمهور بورجوازي نقدي بعد الثوة الإنجليزية في القرن 17، وما تلاها من ثورات في أوربا بين 1710 و1730 م ، حيث خرجت إلى الوجود مجموعة من الجرائد المستقلة عن الدولة، و ينتمي أصحابها طبقيا إلى البرجوازية، وهي طبقة معارضة للأرستقراطية. وقامت الدولة آنذاك بمراقبة التجمعات في المقاهي وصالونات الشاي باعتبارها أماكن احتوت نقاشات قوية ضد الحكم.
ومن هذا المنظور ، شكلت منذ أيام الأغورا الإغريقية – حسب نانسي فريزر – عنوانا لأثينا الديمقراطية، ومحورا للسجال والنقاش والعدالة. وقد تجدد النقاش حول الفضاء العام منذ الستينات الذي تألق فيه هابرماس تأسيسا ومراجعة وتطويرا لمشروعه الفلسفي ،ليصل إلى ما يسميه ب”أخلاقيات المناقشة والتواصل السياسي الإيجابي”. وقد منحت نظرية هذا الفيلسوف فرص ظهور بعض المفاهيم والمصطلحات وتداولها في ثقافتنا المعاصرة، نحو، العدالة، الديمقراطية التشاركية ، الدولة الوطنية، المجتمع المدني، الاستعمال العمومي للعقل في تدبير الفضاء العمومي وتسييره….لكن هذا المنظور أصبح كلاسيكيا بالمقارنة مع التحولات التاريخية والأبحاث الفلسفية والدعوات الإيديولوجية المعاصرة، ليتولد من رحم الفضاء العمومي البرجوازي فضاء عمومي نقدي شعبي معارض oppositionnel، الفرق بينهما، هو أن الأول ارتبط بالجرائد والبرلمان، في حين ارتبط الثاني بنقاشات الحركات الشعبية الاحتجاجية.
اكتسب الفضاء العمومي النقدي الشعبي المعارض قوته التأثيرية والاقتراحية انطلاق من استراتيجية الاحتجاج، والتظاهر، والتجمعات المطلبية. وإذا كان الاحتجاج ظاهرة إنسانية وكونية لا تقتصر على قطر واحد من أقطار المعمور، فهو الوسيلة الكفيلة لشد انتباه السياسيين والمسؤولين والحكام إلى أنواع القهر الذي يعيشه المواطن داخل الدولة، بل هناك تجارب مسرحية نشأت على خلفية الاحتجاج والترافع المدني لمحو القهر عن الإنسان، ولعل أبرزها مسرح المقهورين لأوغستو بوال وتجارب أخرى في أوربا وأمريكا…
كما تمكن المسرح العربي أن يضم إلى ديناميته تجارب مبنية على فعل الاحتجاج، وخاصة بعد عواصف الربيع العربي والتحولات المجالية في التعاطي مع الفنون وخروجها إلى الفضاء العمومي. ارتبط الاحتجاج بالمسرح قصد الترافع والتغيير، ورفع القهر على الإنسان العربي. وربط هذا المسرح بدينامية الدراما، وظهور توجهات جديدة مثل فنون الآداء ومسرح ما بعد الدراما الذي يوجب على الممارسة المسرحية أن تفعل الفضاءات العمومية أكثر من الفضاءات المغلقة، قصد مخاطبة أكبر قاعدة جماهيرية ممكنة. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى دور الربيع العربي في إعطاء نفس جديد للمسرح الاجتماعي، واستعادة الفضاء العمومي لتقدم فرق مسرحية من دول الوطن العربي منجزها المسرحي في الساحات العمومية. فلم يعد الفضاء المغلق قادرا على استيعاب كل هذه الحمولات والشحنات المكثفة والمختلفة والمتعددة الأنساق والدلالات. حيث تذويب الحدود الضيقة بين المؤدي والمتلقي، عبر جملة إواليات يحددها الوجود الفيزيقي المشترك، والتفاعل في تبادل الأثر بحثا عن الوقع الجمالي، والتعبير عن الفردية كمنطلق للعالم الجمعي.
وعلى هذا الأساس، توزعت المسرح الاجتماعي ثلاثة تقاطعات، هي: المسرح – الأدائية – الفرجة. فكل مكون من هذه المكونات أدى دوره التكويني والاستيطيقي في بلوة المسرح الاجتماعي وتطويره. ومن الضروري إثارة هذه العلاقات ذات البعد المزدوج: المسرح، والأدائية، والفرجة من جهة، والمسرح الاجتماعي من جهة ثانية.
يمكن اعتبار المسرح ملتقى الفنون والتعابير، وحوار بين الأجناس الثقافية والأدبية والفنية. فن المفارقة art de paradoxe كما تسميه آن إيبير سفيلد الذي يجمع بين الأدبي على أساس نصيته الأدبية، والفني بحكم فرجته وعروضه. وهو فعل سيميائي بامتياز: منظومة من العلامات signes ، تشتغل على مستوى النص والعرض معا لدرجة اعتبر رولان بارت العرض المسرحي آلة سيبيرنتيكية، تبث علامات لا تتوقف طيلة العرض، يقوم المتلقي بعملية التقاطها و تفكيكها للحصول على المعنى. خاصية المسرح/التمسرح أنه فن حي art vivant، بحيث يقوم هذا الفن على شرطية “نحن –الآن –هنا”. تشتغل هذه الشرطية على “النحن”، أي أن المسرح لا يمكن أن ينجز بدون حضور الجمهور، تلازمية العرض والمتلقي. “الآن” : زمن الأداء هو نفسه زمن التلقي، أي تتم عملية الإنتاج والتلقي/الاستهلاك في زمن محدد. “هنا” هذه العلاقة بين الإنتاج/العرض والتلقي/الاستهلاك تتم في مكان واحد، قد تكون قاعة أو مسرحا أو ساحة عمومية….
بفضل التحولات الدراماتورجية وما رافقها من منظورات جديدة للممارسة المسرحية، وظهور حساسيات جديدة اطلقت عليها النقاد تسمية ” ما بعد الدراما“. ظهر “فن الأداء” أو “الأدائية ” ليولي اهتماما خاصا للجسد، ويحرره من معتقلات الكبت، والجموح، وقمع حريته. “فن الأداء” هو تحقق كامل للجسد، لذلك يشتغل المؤدي على جسده. إنه جسد متعدد الأشكال والألوان. تعتمد ” الأدائية” على رفض الإيهام المسرحي الذي يكبح القيم الدنيا للجسد وللوجه والإيماء والصوت التي لا ترصده الملاحظة العادية، من هنا جاء استعمال الوسائطية (شاشات العرض، آلات تصوير….)… يعتبر “فن الأداء” الجسد في وضعية ستاتيكية مقهورة، يحاول تحريره حتى لو كان الثمن قدر كبير من العنف. أحيانا عندما يشاهد المتفرج عرضا أدائيا يتولد لديه إحساس بأنه يحضر طقسا من الطقوس التي تختلط فيها كل هذه الاختراقات الممكنة: جنسية وجسدية، حقيقية ومسرحية، تكون بمثابة الطقس الذي يعيد المتلقي إلى مراحل أخرى بكر.
يعتمد “فن الأداء” على مستويين: الأول هو السعي إلى تقديم الواقع وفقا لفردية وذاتية المؤدي. والثاني هو تفكيك الواقع بواسطة الجسد- الأداء المسرحي أو الصورة، صورة الواقع الذي تعكسها التقنية الأدائية الحديثة، و قد تدمر هذا الواقع أو تعيد بناءه، في كلا الحالتين، لا تكون الصورة أبدا ثابتة ويستطيع المؤدي أن يتعامل معها ووفقا للقواعد والتجهيزات التي أعدها. إن هذه العلاقة مع الصورة التي نراها هنا انعكاسا ذاتيا هي التي تسمح لنا اليوم بأن نصنف العروض الأدائية في فئتين أساسيتين : إحداهما تنتمي إلى المسرح، والأخرى تنتمي للتقنيات الحديثة، وهذا إنما يؤكد على اختلاف ذي طبيعة جمالية أظهر التطور الحالي للفن الأدائي.
حملت الفرجة بين طياتها الكثير من التحولات إلى درجة إزاحة المسرح عن عرشه، ومراجعة مساره منذ مسرح أثينا إلى طلائع الألفية الثالثة، مع الاقرار بظهور استثناءات كثيرة خلال كل هذه المدة ، مثل الاحتفالات الطقوسية والشعائرية، والكرنفالات، والكوميديا الشعبية، والمرتجلات، والأشكال التعبيرية الأخرى التي كانت تسمى تجاوزا بالسوسيودرامات، أي الأشكال ما قبل المسرحية. فالفرجة الآن، وبالمفهوم النقدي للشكلانيين الروس أصبحت بنية مهيمنة une structure dominante، تتخلل كل المجالات والسياقات الثقافية والسوسيولوجية. وتهم كل الممارسات الفنية وغير الفنية. وتألقت فنون المدينة المعاصرة في خلق تحولات جوهرية في المعطى الفني والجمالي عبر رص تناسجات بيفنية، مثل تلاقح المسرح مع التنصيبات الركحية المنتمية إلى فنون النحت، وتلاقي المسرح مع فنون السيرك والدمى العملاقة. وحوارية ثقافات متعددة المصادر والإثنيات والفنون المعاصرة ….إلخ. وتطلب هذا التحول التوسع والامتداد نحو الساحات المفتوحة لقدرتها على استيعاب هذه الأشكال التعبيرية الجديدة.
تبعا، للتحديدات السابقة حول مؤشرات المسرح الاجتماعي، وأشكال تمظهره، ومساحات اشتغاله، وخصوصياته التمسرحية، يتضح أن هذا النمط من المسرح يمارس رهانات جمة، تبدو من خلال السعي نحو استعادة الفضاء العمومي، وأدلجته، وجعله مصدرا لتشكيل الرأي العام المضاد، ومجالا للتعبير الحر والتلقائي، والدعوة إلى مشاركة المتفرج، والمساهمة في إنتاج الفرجة، أو كما يسميه شيشنر ب”المسرح التشاركي”. أنتروبولوجيا، ظهرت العديد من الممارسات الثقافية التي يمكن اعتبارها مسرحا اجتماعيا، مثل الكوميديا الي اللارتي، والاحتفالات الطقوسية، والمواسم والأعياد،…
من هذه الزاوية، يساهم الديني والطقوسي في إخصاب العملية المسرحية من خلال مجموعة من الإواليات يحكمها المقدس والمدنس، تحدد المقدس مرجعية دينية بضوابط اتفاقية وخطاب يتسم بالتعالي في اتجاه الأسفل، فتظهر العلاقة العمودية التي تجمع بين المسرح والديني. وهذا ما يفسر هيمنة الفن التراجيدي في العهد الإغريقي وتمثلاته الإيديولوجية والفنية. وهو عهد الأسطورة، وصراع الآلهة وقوى الشر والخير الذي ينتهي عادة بما يسمى بـ “السقطة التراجيدية للبطل”، لأنه مارس فعل التخطي والتحدي لضوابط سنتها الآلهة. واعتمدت التراجيديا لتحقيق هذا البعد على مفاهيم نجد لها أصولا دينية مثل مفهومي المحاكاة mimesis والتطهير catharsis، على اعتبار الأول هو محاكاة أفعال نبيلة التي لا تشوبها شائبة، بواسطة البطل ونقلها إلى المتلقي. فتؤدي هذه العملية إلى الاندماج والتطهير من الأفعال القبيحة. والثاني-أي التطهير- هو استحمام سيكولوجي وقيمي وترسيخ لمبدأ الميثاق، حسب برنار لامزيت.
لذا، فإن هذه الظواهر الموسمية المرتبطة بالمناسبات الدينية أو بأعياد الطبيعة، رسمت خطوطا جديدة للذاكرة الجمعية والإرث الثقافي المشترك وتاريخا جديدا لسلوكيات الإنسان في المجتمعات والإثنيات والدلالات التي تنتجها هذه السلوكيات، ويمكن أن ندل-محليا- على ذلك بفرجة “بيلماون بيدماون” بوصفها شعيرة وكرنفالا، يستكنه موروثا ثقافيا متجذرا في ثقافة الجنوب (أكادير انزكان أيت ملول، الدشيرة الجهادية على وجه الخصوص). تشكلت ظاهرة بوجلود ” بيلماون بيدماون ” من الاحتفالات الطقوسية التي تمتد إلى عمق الحياة الافريقية والأمازيغية. وتطورت عبر التاريخ لتصطبغ بألوان متنوعة من الشعائر والطقوس الدينية وتنتهي إلى فن من فنون الكرنفال والأداء منتشرا في الساحات والشوارع والأزقة. وقد نالت هذه الظاهرة الشهرة على المستوى الوطني والدولي، فأصبح لزاما على المهتمين والدارسين مقاربة هذه الظاهرة ودراسة مكوناتها وتمثلاتها وأصولها وتطورها لأنها أيقنت – بكل امتياز – إرثا جماعيا لساكنة أهل الجنوب، وتراثا لاماديا يشي بالكثير من العلامات و الرموز والدلالات التي يحفل بها بيلماون بيدماون.
يمثل غنى التراث الشعبي المغربي وتجلياته الطقوسية والدينية معبرا أساسيا إلى الكتابة المسرحية، وتمسرحات الطقوسي والديني فيها. تعمل هذه الأشكال الفرجوية والنمطية على بث قيم مضادة تم محوها علي يد الثقافة الرسمية درع الحكم السائد. وفي نفس الوقت تفتح فجوات في هذه المنظومات القيمية بواسطة الارتجال، وفتح باب النقاش مع المتفرجين للإدلاء بآرائهم ومواقفهم. وفي هذه الحال، يمكن أن نميز بين الارتجال العفوي واللحظوي—كما هو وارد في مثل هذا الأشكال الفرجوية- والارتجال الذي أصبح مع مرور الوقت فنا قائما بذاته في الفنون المعاصرة وشعبة من شعب المسرح الاجتماعي.
يقوم الارتجال على غياب النص، بل الممثل هو الذي يخلق النص بعد استيعابه للفكرة والموضوع المقترح للعب، مراعيا تسلسل الأفكار، ومعالجة الموضوع من كل الجوانب الممكنة ليصل إلى مداه المطلوب. يدعو الارتجال إلى حرية الممثل في التعبير عن كل ما يراه في الموضوع المقترح، ومساعدته من لدن المؤطر لتطوير أدائه والوصول إلى أبعد نقطة تعبيرية، بواسطة أفكار الممثل وجسده. إن أهم ما يحتاجه المتدرب في تمارين الارتجال هو وعيه للعلاقة ما بين وضعية جسده والفضاء المسرحي. ومن حيث إن طريقة النطق والإلقاء ليست الوحيدة التي تحدد المعنى. وإنما وضع الجسد أيضا وتحديد المكان. كما أنه من الضروري للمتدرب أن لا ينطلق من تصور محدد ومسبق للوضع وللشخصية، وإنما الاعتماد على الحوافز النفسية الموجودة، وتحفيزات الجمهور المنتج والموجه أحيانا، والمضي بها دون تخطيط مسبق بحيث إن تراكم الجمل والحركات هو الذي سيكون الوسيلة والهدف أيضا، لأن الارتجال هو مغامرة إبداعية.
عرضنا في الفقرات السابقة من هذه المقالة أفكارا ذات علاقة بالمسرح الاجتماعي وأصوله وامتداداته، بغية تحديد مصادره وعلاقاته، وطرق اشتغاله، بالإضافة إلى التجارب المؤسسة والداعية في نفس الوقت إلى الحساسيات الجديدة المتعلقة بالمسرح الاجتماعي خصوصا، وفنون المدينة عموما. وارتباطا بالموضوع، وتشخيصا لتجارب المسرح الاجتماعي في المغرب، نشير إلى بعضها، تأكيدا أن هذا النوع من المسرح بدأت تتضح معالمه، وتترسخ مسيرته بالتنظيم والإبداع والانتشار.
تميز المسرح المغربي مع مطلع الألفية الثالثة بالتجريب، والبحث عن قوالب مسرحية بديلة، وغير مألوفة لدى المتلقي المغربي. وقد ساهم في هذا التميز عدة عوامل، منها تنظيم المهرجانات الدولية، وخلق نوع من الحوار المسرحي والتناسج الثقافي بين فرق محلية مستقبلة، وأخرى وافدة من بقاع المعمور. تطوير الدرس المسرحي داخل الجامعة المغربية والمعاهد المتخصصة، وما رافقها من محترفات مسرحية في تكوين الشباب المسرحي علي يد خبراء دوليين في المهن المسرحية. تمكن مسرحيين مغاربة من المشاركة في مهرجانات دولية وعربية كبرى وخلق نوع من التلاقح والنقاش حول الوظائف المسرحية والمراجعات الضرورية لمفهوم المسرح، وإعادة النظر إلى مهامه وأبعاده، وربط البحث المسرحي المختبري بالعودة إلى الأصول من منظور الأنتروبولوجيا الثقافية، وعاد الاهتمام من جديد ب”الحلقة” و”بوجلود”…وأشكال فرجوية أخرى أصبحت تتماهي مع المنجز الأدائي المسرحي المعاصر. كما ساهم الدعم الدولي من خلال صناديق التمويل الفني والمسرحي، وشروطه الاحترافية بإتاحة فرص التباري بين الفرق المترشحة لنيل الدعم والاجتهاد في البحث عن أفكار جديدة ملائمة لدعوات الترشيح. بالإضافة إلى هذه المعطيات، أثرت احتجاجات الربيع العربي، ومنها حركة 20 فبراير في المغرب على جوانب عدة من المنظورات الفكرية والإيديولوجية والفنية، ومنها الحركة المسرحية وانبلاج ممارسات جديدة تألقت مع المسرح الاجتماعي، نتيجة حدث تاريخ وسياسي عرفه المغرب مع مطلع سنة 2012. وهو الحدث الذي يطلق عليه حركة 20 فبراير.
تعلقت حركة 20 فبراير في المغرب بطموحات التغيير إسوة بما وقع في بعض البلدان العربية وهي تمتطي صهوة الربيع العربي. وقد خرج شباب من مختلف الأطياف في 20 فبراير 2012 في شوارع المدن المغربية من أجل الاحتجاج على الأوضاع والقمع، والمطالبة بالتغيير و والعيش الكريم. صحيح أن هذه الحركة لم تحقق ما حققته الحركات الاحتجاجية والثورات في بعض البلدان العربية لسبب أو لآخر، إلا أن تأثيراتها بقيت بارزة، ولو من زاوية التعاطي مع الفضاء العمومي، وتأريخ لحظة استعادته وتملكه وتحريره، وظهور أشكال تعبيرية فنية وأدائية، مكنت الممارسين المسرحيين من اختيارات متمردة على المسرح بمفهوم القاعة والعرض والاستهلاك، تمثلت في اختيارات المسرح الاجتماعي الذي لاينتظر الجمهور القدوم إليه، بل هو من يبحث عن الجمهور ويتجه إليه في الأزقة، والشوارع، والساحات العمومية، والقرى، والمداشر، والمقاهي،…. بدأ يتشكل وعي جديد في تثوير وظائف المسرح وأبعاده ومهامه.
وفي هذا السياق، تألقت فرقة “مسرح المحكور” بالدارالبيضاء التي تأسست في سنة 2012 استجابة لحركة 20 فبراير. نهلت من تجربة أوغستو بوال المسرحية، والوعي بوظيفة المسرح في التغيير، والاستشراف، والفعل التشاركي. فانخرطت الفرقة في تنزيل هذه المنظورات إبداعيا، من خلال أعمال مسرحية، حركت البرك الآسنة في التعاطي مع القضايا المجتمعية الأكثر حساسية، ودق ناقوس الخطر حول استفحالها. الأول، العمل المسرحي: “تلاح” ،والثاني “بحال بحال” أو”حكاية نيوفة”، والثالث “داها وداها”. تشي هذه الأعمال المسرحية من حيث تيماتها ارتباطها الوثيق بمركزية “القهر”، أو “الحكرة” كما يحلو للفرقة تسميتها.
لقد تمكن هؤلاء الشباب أن يستمروا في مشروع مبني ومهيكل. فبعد تأسيس “مسرح المحكور” سنة 2012، اطلقوا جمعية كورارا للفنون والثقافات في سنة 2016 لتعمل على تدبير مشاريع فنية وثقافية أخرى، حققت الكثير من النجاح.
وفي سياق آخر، واقترابا من المسرح الاجتماعي وفنون المدينة،تأسس مهرجان أكادير الدولي لفنون الأداء ” الجداريات ذاكرة المسرح” على تجربة جديدة و أصيلة نبعت من البحث والمتابعة لما ينجز من مهرجانات وملتقيات فنية، و دراسة وتعميق هذه المعطيات السائدة للاهتداء إلى تصور جديد للفرجة وجماليات الأداء. والبحث عن مواقع توطين هذه التجربة. وهي تجربة لا تلغي المسرح وفضاءاته الطقوسية، وأمكنته المغلقة والمفتوحة، بقدر ما تطلق للإبداع والتفكير الحرية في التجريب، وطرق أبواب الفنون المجاورة للمسرح ومنها التشكيل. وصياغة السؤال المركزي من جديد حول علاقة المسرح بالفنون التشكيلية.
يندرج هذا المشروع فيما يصطلح عليه بفنون الأداء. قوامه الفضاء العام والأداء المفتوح مع الجمهور. والكثير من التجارب في أوربا وأمريكا أصبحت تهاجر الفضاءات المغلقة في اتجاه الفضاءات العمومية. و أصبحت الاقتناعات تزداد رسوخا لدى صناع الفرجة بضرورة انتقال المسرح والأداء إلى الجمهور بدل استقباله في القاعات المغلقة و الأماكن المحددة للعروض المسرحية. وأصبح الفنانون المسرحيون يستوعبون الوضعية الراهنة للمسرح المتمثلة في تراجع اقبال الجمهور، وعزوفه على المشاهدة المسرحية أمام اكتساح وسائل الميديا بكل تلويناتها، وتغيير وجهة الجمهور واهتماماته.
خلاصة:
إن حقل الدراسات والأبحاث الأكاديمية في المسرح الاجتماعي لازال في حاجة إلى الصقل والتشذيب، والانتباه إلى هذا المسرح الاجتماعي أكثر، كما أن هذا المسرح لا زال في حاجة إلى تحديد موقعه ضمن أنماط المسارح الأخرى، ومساءلته حول كفاءاته النظرية والتطبيقية حتى يضمن لنفسه حجية الاستمرار، ومشروعية الوجود. هناك ثمة ملاحظات صميمية تلتصق بالمسرح الاجتماعي، وتسجيلها هنا، يقوم على غاية النقاش، والبحث عن حلول لها. من هذه الملاحظات، لازال يعتقد الكثير من الممارسين أن العروض التي تقدم في الفضاءات المغلقة بمعايير الخشبة الإيطالية، هي نفسها يمكن تقديمها في الفضاءات المفتوحة، يكفي أنها تحافظ على نفس المضمون الاجتماعي، وهذا أمر مردود، لأن المسرح الاجتماعي نشأ على أساس تقديمه في الفضاءات المفتوحة، وقيمته تتحدد من الارتجال، والتلاقي المفتوح مع الجمهور، وتفاعله ومشاركته، وتحوله من متفرج إلى ممثل. ملاحظة أخرى، جاء المسرح الاجتماعي ليجيب عن حاجيات اجتماعية، وتحرير الفضاء العمومي واستعادته، والارتباط بالحركات الاحتجاجية ذات الطابع المجتمعي المطلبي. هذا الارتباط، سيكون له تأثير في بناء الفرجة في المسرح الاجتماعي من حيث الاشتغال الدراماتورجي، والجمالي، والفني. لذا، فإن القوالب الفنية والتقنية التي يعتمدها المسرح الاجتماعي في تفاعله مع المتفرج، من المفروض أن تتأسس، انطلاقا من هذه العلاقة، وليس بواسطة الإسقاط، والاجترار والتكرار.


