في فرجات جامع الفنا بمراكش
د. محمد جلال أعراب
كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير
تحديدات منهجية
يفرض موضوعنا وضع تحديدات منهجية أساسية لمقاربة الفرجة في ساحة جامع الفنا بمراكش. وهي تحديدات تمليها طبيعة الموضوع المعقدة، وإجبارية الاستعانة بمفاهيم تتسم بالتعدد والعمق، وتتصف بطابعها الاختزالي والإجرائي، وجزئياتها الوظيفية. لذا، تتطلب مقاربة فرجات (أردتها هنا بصيغة الجمع وليس بصيغة المفرد لاعتبارات وشروط سأحددها لاحقا) ساحة جامع الفنا بمراكش توسل آليات وأدوات اشتغال صارمة لضمان نتائج منطقية وجادة.
يشي الموضوع – كما يبدو من خلال عنوانه – بتركيبيته وجهازه المفهومي المتعدد العناصر ونسقه الدلالي الوظيفي، لاسيما حين تحضر هذه المفاهيم مجتمعة: التمسرح…المسرحة…التفضية…الفرجة. وهي مفاهيم تحتكم إلى خلفيات مرجعية، وتحديدات منهجية صارمة، يتحدد انتماؤها إلى مجالات العلوم الإنسانية والجمالية. وخضوعها عبر مراحل مختلفة لمناقشات علمية مستفيضة. ويطغى البعد الإشكالي على هذه المفاهيم من حيث كيفية تقاطعها وتمفصلها وانسجامها في مقاربتنا للحكي واللعب في ساحة جامع الفنا.
بني مفهوم التمسرح théâtralité في المسرح على صيغة مفهوم الأدبية في الأدب1، أي ما يجعل المسرح مسرحا يتميز بخصائصه التقنية والجمالية. والتمسرح هو البحث عن لغة مسرحية خالصة. وقد حددت الباحثة الكندية جوزيت فيرال أركان التمسرح في أربع عناصر: المشاهد– المشاهد – الفضاء – الخيال2.
ويضع ماركوز دومارينيز- أيضا- أربعة مكونات أساسية للتمسرح، تتحدد في تجليات ممارسة التمسرح، وهي: “1- العرض الفيزيقي، 2- الحضور المشترك والواقعي للمرسل والمرسل إليه، 3- تزامن الإنتاج والتواصل، 4- الطابع العابر وغير التكراري للنتاج المحدد باعتباره حدثا وفعلا”3 .
ويستقي مفهوم المسرحة théâtralisation أهميته انطلاقا من عملية التحويل، تحويل نص إلى عمل مسرحي. تحويل يراعي الخصوصية الدراماتورجية لهذا النص. وقد يكون نصا أدبيا أومقالة صحفية أو خبرا أو حدثا، يقول بافيس:”مسرحة حدث أو نص، معناه تأويله وتشخيصه إخراجيا مستعملين الأركاح والممثلين لتنزيل الموقف الدرامي. ويعتبر العنصر المرئي للخشبة والتشخيص الدرامي للخطابات من أهم خصوصيات المسرحة “4. تضطلع المسرحة بمهمة الاشتغال على نصوص (مكتوبة أو مروية)، تمتلك الحس الدرامي أو تقوم على مواقف ووضعيات درامية، وتحولها إلى أعمال مسرحية.
ويأتي مفهوم التفضية spatialisation لتأكيد الخاصية المسرحية، لأن علاقة الناظر بالمنظور إليه، تتطلب وضعيات فرجوية، تتحدد بطبيعة هذه العلاقة، والتحولات التي تعتريها أثناء الاختيار والإنجاز. ونلاحظ أن كل التحديدات السابقة (فيرال- دومارينيز – بافيس) تشترط عنصر الفضاء للتمسرح والمسرحة معا.
والتفضية عملية أساس في هندسة الفضاء وتقسيمه وملئه وتوظيف مساحته، وفق التصورات الإنجازية والحركية. وهي عملية تؤكد وعي المبدع بمكونات الفرجة وخصوصياتها الأدائية والتواصلية. ويتساوق مفهوم الفرجة le spectacle مع المفاهيم الأخرى السالفة الذكر، في كون الفرجة أصبحت الآن مفهوما أنتروبولوجيا و مجالا علميا للدرس الإثنوسينولوجي، باعتبار الحلقة إحدى الأساسيات المكونة للفرجة. وقد تمكنت الانتروبولوجيا من تجديد الصلة بموضوع الفرجة وتحيينه، حتى أصبح هذا المفهوم يتمتع بجهاز مفهومي ومقاربات منهجية رصينة.
إن حضور هذه المفاهيم في مقاربتنا لفرجات ساحة جامع الفنا بمراكش، دعته الضرورة المنهجية، وثراء أشكال هذه الفرجات ومضامينها التي دفعتنا إلى إيرادها بصيغة الجمع وليس بصيغة المفرد، ولو أن رغبتنا تحذو إلى مقاربة الفرجات ذات مضامين محددة ودرء أخرى، نظرا لتورطها وترويجها لسلوكيات اجتماعية مرضية.
أولا: فرجات ساحة جامع الفنا بمراكش ومسرحة المحكي
أ- ساحة جامع الفنا ومفهوم الحلقة
في سنة 2002 اطلقت منظمة اليونيسكو لقب ساحة جامع الفنا تراثا شفاهيا إنسانيا. ويصفها خوان غواتيصولو الكاتب الإسباني المقيم بمراكش، وأحد المغرمين بالساحة في تصريح له لوكالة الأنباء الكويتية: إن الفنا ليست مجرد فضاء للتراث الشفهي، وهي ليست مجرد متحف لامرئ يعشق القديم، بل إنها المدينة التي يتطلع إليها سكانها بكل الآمال والأماني، مؤكدا أن المدينة بغير الساحة لا أهمية لها. وتعود أهمية ساحة جامع الفنا – حسب غواتيصولو دائما- إلى أنها تأسست تلقائيا من طرف المجتمع المغربي، وليس بقرار إداري أو إرادة سياسية. وهي رمز مراكش بل رمز المغرب ككل. بنيت ساحة الفنا في عهد الدولة المرابطين خلال القرن الخامس الهجري كنواة للتسوق، لكن أهميتها تزايدت بعد تشييد مسجد الكتبية، واستغل الملوك والسلاطين في ذلك الوقت الساحة لاستعراض جيوشهم والوقوف على استعدادات قواتهم قبيل توحيد المدن والبلاد المجاورة، وحروب الانطلاق لمعارك المستقبل.
واستأثرت الساحة باهتمام بليغ لدى الكتاب والمفكرين والفنانين العالميين. ومثلت مركز جذب محوري. كما عرفت الكثير من التحولات التاريخية والمواقف والمواقف المضادة تجاهها لما تحمله من تراث شعبي شفاهي، وتعبيرات جسدية تلقائية تؤسس لرؤية معاكسة للثقافة السائدة، والإيديولوجية المركزية. وقد وصف عبد الله العروي العلاقة المتوترة التي جمعت النخبة الوطنية البورجوازية أثناء الحماية برواد ساحة جامع الفنا، يقول: ” في المغرب مثلا، أثناء الحماية، كانت مدينة مراكش، التي يعتبرها سياح العالم بمثابة متحف مفتوح، موضوع اشمئزاز عند الوطنيين الشبان. كانوا لا يفتأون يهاجمون ما يرونه فيها من مظاهر التخلف والانحطاط، تلك التي كان يود قادة الاستعمار أن يروها لاصقة على الدوام بوجه المغرب. كانوا يقولون إنها سياسة تجهيلية متعمدة تهدف إلى تقوية عادات وبدع جاهلية على حساب إسلام سلفي سني. وما أن أزفت ساعة الاستقلال حتى بادرت الحكومة إلى منع البهلوانيات التي كانت تقام كل مساء في ساحة جامع الفنا الشهيرة. ثم بعد سنوات تغيرت الأوضاع و الأفكار وعادت الحكومة فألغت المنع. لم يكن الدافع اقتصاديا واجتماعيا وحسب، بعد اتضح أن مدينة مراكش تموت بلا سياحة والسياحة الأجنبية لا تنتعش إلا بتلك البهلوانيات. بل هناك سبب أعمق يمس المجتمع نفسه. “5.
هذا المجتمع الذي أومأ إليه عبد الله العروي لم يكن إلا المجتمع المغربي بصفة عامة، والمجتمع المراكشي بصفة خاصة الميال إلى النكتة والبسط والضحك، وتشبثه بالطرائف. كما أن الإنسان الشعبي يجد راحته وطمأنينته في السماع والإنصات والتمتع بصفاء التلقائية والفطرة، بعيدا عن الثقافة الرسمية المأدلجة. ” ومما ساعد على تبلور هذا الفن بمراكش هو أنها تهيئ وسطا حكائيا متميزا. فبالإضافة إلى أنها كانت عاصمة، فإنها كانت ملتقى وملجأ لمختلف الأجناس، حضنت السودانيين، الصحراويين، الأندلسيين، الأوربيين الداخلين إلى الإسلام، مما أكسبها غنى ثقافيا وفنيا. إضافة إلى السمة التي تطبع المراكشي وهي ميوله الاختلاف وقدرته على الاندماج. حتى بالنسبة لتخطيط المدينة فكان دائما يراعى تخصيص ساحات عمومية في الأحياء. والمدينة القديمة كلها بأزقتها تأخذ شكلا حلزونيا. والحلقة إسم على مسمى تتميز بشكلها الدائري. وهي عدة أنواع: حلقة الراوي، حلقة “حماد أوموسى”، ” حلقة كناوة “، الخ….6.
ب – مسرحة المحكي وتمسرح الأداء:
تبعا للتحديدات المنهجية السابقة، وتفعيلا لخطواتها، سنحاول في هذا النقطة أن نقارب الحلقة داخل ساحة جامع الفنا انطلاقا من مكونيين أساسيين هما: المسرحة و التمسرح. ربطت المكون الأول بالمحكي والثاني بالأداء أو الإنجاز، الأول يرتبط بعملية تحويل من جنس تعبيري إلى آخر، فهو اشتغال على المتن وتصريف قنواته التواصلية إلى جنس آخر، له خصوصياته الدقيقة، والثاني يتصل بالخصوصيات التعبيرية والأدائية ومكوناتها في صناعة الفرجة.
وعليه، فإن مركزية الحلقة في فضاء ساحة جامع الفنا الشاسع و المفتوح على الأزمنة والأمكنة والإمكانيات التأويلية، تجعله فضاء قادرا على اتساع رقعة القراءة المنهجية. حيث تحتل المسرحة مكانة أساسية، فالحلايقي، يملك من القدرات الكفيلة لتخول له ممارسة عمله بتجميع النصوص، وانتقائها، ودراستها للتركيز على نصوص، تحتوي على أبعاد درامية من حكاية وصراع وتحولات في المواقف والوضعيات والتشويق، حتى يبقى المتلقي مشدوها أمام الأحداث، ومتتبعا بتلهف للنهاية المنتظرة. “فالقصاص تتوفر في فعاليته مجموعة من العناصر المسرحية من خلال روايته للحكايات والخرافات و الأخبار والقصص التي تأتي تارة منظومة، تتخذ هذه “المواد” الفنية قالبا نثريا يمتح من “التاريخي” و “الديني” و ” الملحمي” و “العجائبي” دون أن تفوتنا الإشارة إلى عنصر الغناء “7.
تلتئم هذه المتون ليحولها الحلايقي إلى فرجة ولعب. فهو يؤسس نصه المبني بناء منطقيا لإقناع المتلقي بخطابه. وقد تتداخل هذه النصوص كاملة أو تحافظ على أحاديتها، ويضيف الحلايقي إليها من عنديته، ويخلق لها مسارات أخرى من خياله، وكأننا أمام عملية تناص أو حوارية النصوص، معتمدا على ذاكرته وما تختزنه هذه الذاكرة من موسوع الأخبار والحكايات والخرافات “فبغض النظر عن مضامين هذه الذاكرة المحملة بالحكايات والقصص والرواد، وبغض النظر عن حقيقتها، وعن طبيعتها، وعن صدقها، أو عدم صدقها، ما يهم هو قدرة الراوي على الاستيعاب، والتمثل، والخيال… وارتباطه بالمروي له، غالبا ما ينتمي إلى أوساط شعبية”8.
We stopped here Marinaaa
نلاحظ أن رولان بارت يجعل من الحكي قيمة إنسانية و وجودية. ويرقى به إلى مصاف وجوده في كل الموجودات. هذا الحكم الذي منحه بارت للحكي يجعل منه حقيقة ثابتة في حياة الإنسان. ومكونا أساسيا في كل الإبداع، والممارسات التعبيرية والفنية المختلفة. بل الأكثر من ذلك أن السرد يؤسس علاقات متعددة ومتنوعة، أشكالا تعبيرية أخرى تصل إلى الحوارية و التأسيس. ومنها العلاقة التي تجمع بين التسريد narrativisation و الأدرمة dramatisation ” تعتبر الأدرمة والتسريد النوعين التقليديين لتحويل الجنس إلى جنس آخر، أي الانتقال من نموذج إلى آخر. يبقى أن نعتبر مختلف التحولات داخل كل نموذج هي مقبولة. حقيقة، إن المتتبع للعلاقات التي جمعت بين فنون الدراما وفنون السرد، هي علاقات متواصلة ومتداخلة منذ القدم إلى درجة من الصعب وجود فواصل قارة بينهما. وفي عملية التسريد والأدرمة – كما حددهما جينيت9– تثبت خصوصيات هذه العلاقة، رغم الاستقلالية التي قد تميز كل جنس عن آخر.
وهكذا تضعنا فرجات جامع الفنا أمام هذه الثنائية المعتدة في منجزه االفرجوي، أمام تناسجات شبه دراماتورجية. تستوفي شروطها بواسطة الاشتغال الدرامي/النصي أولا قبل التحول إلى اللعب/الفرجوي، أي على نوع من الأدرمة dramatisation ، علما أن “المرتكزات المختلفة للأدرمة ليست دائما سهلة العزل، لأن تطبيقات الأدرمة قلما تقدم نفسها في هيئة خالصة، هي إذن قلما ما تكون خاضعة لمقارنة ضيقة بين نص سابق hypo texte وبين نص لاحق hypertexte درامي”10.
هذا المزج بين جماليتين خلق لدى المتلقي تفاعلات متباينة النتائج. والحصيلة، كأن نقول أن المتلقي في هذه الأعمال ( الأجواد على وجه الخصوص)، يجد نفسه إزاء عمل مسرحي يتميز ب “تمسرحه sa théâtralité” للحلقة واستثمارها داخل العمل المسرحي. وجعل العمل المسرحي يتكئ على مرجعية معرفية وجمالية، ممثلة في فن الحلقة من أجل إنتاج خطابه.
وهذه الثنائية التي حملت بين طياتها تمازج مبدأين متوازيين، مبدأ المحاكاة ومبدأ سيرورة إنتاج الدلالة، أكدت مشروع عبد القادر علولة الذي يحذو نحو توظيف الحلقة باعتبارها فضاء جماليا، ومرجعا معرفيا في تأسيس الفعل المسرحي، واستثمار التجارب المسرحية الغربية، والاستفادة من التقنيات المسرحية وتطويعها وفق ما يتلاءم وخصوصية المتلقي الجزائري خصوصا والمتلقي العربي عموما.
دخلت التحولات التي عرفتها الفرجة المسرحية إلى تحقيق سلسلة من الطفرات، منها العودة إلى الأصول، ومساءلة الموروثات الشعبية والأنتروبولوجية للثقافات والهويات، والنزوع بهذه الأصول والموروثات إلى تشكيل فرجات يتقاطع فيها الدرامي مع السردي ، وأحيانا، شكلت هذه التقاطعات منعطفا معرفيا وجماليا، يطلق عليها النقد المعاصر بالمنعطف السردي. وإلى تعدد هذه التجارب التي متحت من محكيات وسرديات ثقافاتها إلى درجة إطلاق العديد من النقاد اسم “المسرح السردي”.
تتجلى عملية التمسرح في فرجات ساحة جامع الفنا، من خلال اشتغال الحلايقي على الجوانب التعبيرية والأدائية لإيصال خطابه إلى المتلقي توسلا عدة إواليات وعناصر مرئية تعضد المقيل والمروي، وهو مايشبه الاشتغال الدراماتورجي في المسرح. لذا فإننا نؤكد منهجيا على ضرورة تمثل المفهومين معا : المسرحة والتمسرح في الفرجة، والتمييز – إجرائيا– بينهما، والحث على تلازمهما في الحلقة. فالتمسرح هو البحث عن لغة مسرحية خالصة – كما أسلفت – هذه اللغة لا تعني المنطوق والشفاهي وحدهما، بل هي ما يجعل المؤدي يتوسل تقنيات أدائية وإنجازية ولعبية، ابتداء من الصوت ونبراته ودرجات حدته، والتقطيع التقني للمحكي، وتسجيل الوقفات اللازمة والوظيفية من خلال عملتي الوصل و الفصل، مرورا بالحركات الإيمائية والجستوسية11 وتغيير ملامح الوجه تعبيرا على الحالة الدرامية، والتفاعل النفسي والجسدي لجذب المروي له. فهو يعتمد على ” متتالية شفهية – وضعية – إيمائية – حركية “12. إنها لحظة الأداء الفرجوي الممسرح بامتياز.
هذه السلسلة المحكمة من متتاليات منظمة تبيح للحلايقي ممارسة أفعال إنجازية تتسم بالخفة والأناقة والاقتصاد والدينامية والتحول. وقد يؤدي أكسسوار واحد مثل العصا عند محمد باريز13 إلى تعدد دلالي مكثف، بفضل تحوله وحياته ونموه، وقد عبر الفنان المسرحي الطيب الصديقي عن إعجابه بتوظيف العصا في الحلقة، وهو المغرم بفرجات ساحة جامع الفنا. يقول الصديقي متحدثا عن أستاذه الحلايقي: “منك تعلمنا جوهر مهنتنا. من خلال عصا واحدة لا غير تحولها حسب إرادة الحكي، فتصبح العصا شجرة مخضرة، تتحول إلى مظلة أو إلى حصان راكب… وفجأة، هو ذا السيف الذي يجرح أو هو ذا القلم الذي يدون… المجد لك أيها الراوي القديم الذي يبتعد بتؤدة كل مساء عن حياته”14. لقد لامس الصديقي بقوة إبداعية الحلايقي. وهذا التوصيف البليغ للصديقي هو ما يسمى اليوم في علم السيميائيات المسرحي بالسيميوسيز sémiosis أو التوليد الدلالي للعلامة من خلال حياتها وديناميتها وصيرورتها.
ج – الحلايقي ومفهوم التفضية
تتميز ساحة جامع الفنا بهندسة دائرية، حيث يتناغم هذا الشكل الدائري مع الهندسة العامة للمدينة. ويساعد هذا الشكل أيضا الحلايقي على رسم دائرته لممارسة لعبه وحكيه. الساحة في البداية فارغة، يحط الحلايقي رحاله وأمتعته ولوازم عمله، بعد أن يكون قد حدد المكان الذي سيكون مسرحا لنشاطه الفرجوي. ومنذ هذه اللحظة تبدأ عملية التفضية: تموقع الجسد، تحديد المسافة بين الناظر والمنظور إليه، تأثيث المكان بالأكسسوارات، وتوزيعها على الأرض بإحكام. فيثير فضول المارين والمترددين على الساحة، والعاشقين لفن الحلقة. المساحة فارغة، يملؤها الحلايقي بجسده وأكسسواراته، فيلتئم الناس، ناظر ومنظور إليه، وموضوع، ثلاثة عناصر كافية لتحدد عملية التفضية، ويتحقق فعل من أفعال المسرح، يقول بيتر بروك: “أستطيع أن أتخذ أية مساحة فارغة وأدعوها خشبة مسرح عارية. فإذا سار إنسان عبر هذه المساحة الفارغة في حين يرقبه إنسان آخر، فإن هذا كل ما هو ضروري كي يتحقق فعل من أفعال المسرح .”15
يعي الحلايقي جيدا منذ البداية أن تقسيم الفضاء، واالتحكم في المسافة التي تربطه بالمتلقي من شروط نجاح عمله، كما أن المتلقي يعي جيدا منذ البداية أن هناك مسافة بينه و بين الحلايقي لا يجوز تجاوزها، ولا يجوز ولوج منطقة الحلايقي إلا بأمر منه بدعوة للمشاركة في مجريات أحداث القصة. هذه العلاقة البيشخصية، شخصية الحلايقي كطرف أول والمتلقي كطرف ثان، تحتم على الناظر الانصياع لسلطة المحكي وتمسرح الأداء وشروط التفضية. تفرض التفضية على المتلقي وضعية الثبات، وتمتع الحلايقي بحرية الحركة، والاستدارة، والتنقل، والوقوف، والجلوس… فهو صانع الفرجة، ومهندسها، ومديرها.
ظلت الحلقة مستودعا- فنيا وجماليا- ينهل منه جيل بكامله من المسرحيين المغاربة، وتمكنت ساحة جامع الفنا بمراكش أن تتحول إلى مرجعية في المسرح المغربي. لذا تتجه جل الدراسات المسرحية المغربية إلى تأكيد دور ساحة جامع الفنا في إنتاجية ودينامية المسرح المغربي، لاعتبارات جمالية وتأصيلية للخطاب المسرحي، “وِربما كان هذا الطابع المسرحي للحلقة هو الذي حذا بكثير من المسرحيين المغاربة إلى الاتجاه نحوها، وإن لأهداف جمالية محضة، لاستثمار مظهرها التراثي والإفادة مما تتيحه من علاقة مفتوحة مع الجمهور واستعادة للحظات الحميمية التي ولت…”16.
فالتعامل مع فضاء ساحة جامع الفنا وما يشكله من فرجات شعبية آلت إلى إشتغالات دراماتورجية وتمسرحية في كتابات العديد من المبدعين المسرحيين المغاربة، كما شكلت الحلقة في أماكن متعددة من مدن وقرى ودواوير مغربية عموما وساحة جامع الفنا على وجه الخصوص، انشغالات الدرس المسرحي المنضوي في ما يسمى بأبحاث في الأشكال الماقبل المسرحية أو ما يسميه البعض بالسوسيودرامات، لإثبات أحقية هذه الأشكال الفرجوية في مرجعيتها للمسرح المغربي، يقول حسن المنيعي: ” فإن الأشكال الماقبل/مسرحية في المغرب لم تتجاوز طابع الفرجة القائمة على المتعة. ومن ثم، فقد شكلت البداية الضمنية للمسرح المغربي: الشيء الذي سيجعل منها لا حقا أسلوب كتابة يهدف لدى بعض الدراميين إلى تأصيل أعمالهم.”17
ويعتبر المسرحي المغربي الطيب الصديقي حجة دامغة في تضمين أعماله المسرحية للفرجات الشعبية، وأبرزها الحلقة، حيث نكاد أن نجزم بعدم خلو أعماله الطيب الصديقي من توظيف الراوي (الحلايقي)، ومن بعض الإشارات والتلميحات لجامع الفنا، وحضورها في الذاكرة المسرحية، وتحيين فعلي لمكوناتها وخصوصياتها، يقول الراوي في مطلع مسرحية “مقامات بديع الزمان الهمداني”: “هذه الساحة من الساحات العربية، يمكن تكون ساحة الحلفوين فتونس الخضراء أو ساحة هارون الرشيد البغدادية أو العتبة الخضراء النيلية أو ساحتنا جامع الفنا المراكشية “18.
ويظهر الصديقي ولعه بساحة جامع الفنا، ليس فقط بجلب تقنية الحلايقي إلى مسرحه، بل نجد أنفسنا أمام الميتاحلقة، حيث تصبح المسرحية تعالج موضوع الحلقة كما هو في مسرحية” سيدي عبد الرحمن المجدوب”، فيأتي تعريف الحلقة ومحتوياتها في حوار بين الراوي 1 والراوي 2 في اللوحة 14 من المسرحية:
المخزني: آهيا…آهيا … آش هذا الهرج؟
الراوي 1: آش من هرج آسيدي …هذه الحلقة…
المخزني: والحلقة بلا قانون؟
الراوي2: الله يا ودي، راح حنا بكواغطنا.
المخزني: أرا… نقرا ….
الراوي 2: تفضل …ياك ما خصوك النظرات.
المخزني: قادر نهندس بلا نظارات…وعلاش تدور هذه الحلقة؟
الراوي 1: ……
الراوي 2: ……
المخزني: شفت ما عندكم لا حمام ولا قرد ولا حنش….
الراوي 1: حنا ما محتاجين للهرج ومرج.
الراوي 2: ما محتاجين لغبرة الناموس والذبان.
الراوي 1: ولا للحمام اللي طاير بالجنحان.
الراوي 2: ولا للقردة مماس الي تتبين الاسنان.
الراوي 1: ولا لدواء المرض والطيحان .
الراوي 2: ولا لعشبة بوزلوم والمصران.
الراوي 1: أيا سيدي . وأعوذ بالله من اللسان.
الراوي 2: نرووا تاريخ ناس زمان.
الراوي 1: أصحاب الحكمة والبيان.
المخزني: واش من قصة تحكي يا فلان.
الراوي 2: قصة صارت بذكرها الركبان.
الراوي 1: حكاية المجذوب عبرة للفتيان.
يتضح تحديد مفهوم الحلقة من خلال هذا الحوار الدائر بين المخزني والراويين. وهو تحديد يضعنا أمام تصورين للحلقة، تصور رسمي، يمثله المخزني، وهو تجسيد للموقف الرسمي الذي يرسخ مفهوم الفلكلور، ويجعل من الحلقة متحفا للسياحة واستقطاب السائحين، وتصور معرفي انتروبولوجي، يرى في الحلقة ثقافة ومعرفة وتراثا وجمالا. وبدورنا حين حاولنا الاشتغال على الحلقة بساحة جامع الفنا، استثنينا الحلقة المرتبطة بالسحر والشعوذة وجالب السعد وترويض الحيوان….الخ. التي تتخذ طابعا فولكلوريا أكثر من الطابع المعرفي والجمالي.
ويؤكد الطيب الصديقي هذه الرؤية للحلقة حين يجعل بطل مسرحية “سيدي عبد الرحمن المجذوب” يحتج على الحلايقي في الساحة ويرحل إلى جامع الفنا للبحث عن فرجة بديلة حيث الأحداث تدور في القرن السادس عشر، كأن الصديقي من خلال هذه التقنية يريد أن يهمس إلينا أن المسرح العربي أصيل وتعود جذوره إلى الماضي البعيد:
الراوي: من عجائب الزمن، شاب من القرون الماجية جا يزور جامع الفنا.
الشاب: أنا ولد القرن العشرين.
…… ……
الشاب: موضوع حلقتكم.
الراوي: حلقتنا على الشيخ الكبير النافع – الجامع المانع – سيدي صاحب الحكمة والأقوال، المجرب الأعمال….صاحب الإسم المطروب اللي به المثل مضروب… سيدي عبد الرحمن المجدوب.
لا يمثل الطيب الصديقي إلا نموذجا واحدا من النماذج العديدة في المسرح المغربي التي تأثرت بظاهرة الحلقة في التراث الشعبي المغربي الشفاهي والأدائي، لتتحول هذه الظاهرة إلى ميسم طبع الكثير من الأعمال المسرحية المغربية، ولا يكاد يخلو عمل من الأعمال المسرحية من توظيف الحلقة والاتكاء على مقوماتها لصناعة الفرجة المسرحية.


