“ذكّر..” لترميم الذاكرة.. 

اقترحت هيئة الحقيقة والكرامة داخل إطار حماية الذاكرة السياسية بعد الثورة التونسية على أيوب الجوادي الفنان المسرحي المختص في “مسرح الفوروم” وسهام عقيل الكاتبة المسرحية ،القيام بورشتين لتختص كل منهما في العمل على ذاكرة أبناء السجناء السياسيين من شتى التيارات السياسية التي عاشت تحت النظام الإستبدادي قبل الثورة. 

عايش أبناء المناضلين مرحلة مهمة من حياتهم العائلية التي تميزت بالقمع والسجن والترهيب. 

بدأت ورشة مسرح الفوروم مع أيوب الجوادي على مراحل محددة بتواصل تام مع ورشة الكتابة بغاية التعرف على تصورات ورؤى المتدخلين ، أي كيفية اعتماد مناهج مسرحية لمعرفة ما حدث من تراكمات على أبناء الفاعلين السياسيين زمن الظلم وكيفية صياغتها للذاكرة التونسية. 

تميزت المرحلة الأولى بالتعرف على المجموعة عن طريق خلق فضاء ،تكون فيه المجموعة قادرة على خلق طاقة فيما بينهم ، ليتم الإعتماد على تمارين مسرحية مختلفة يكون الهدف الأساسي فيها :  

  • قدرة المجموعة على التواصل فيما بينها داخل فضاء مسرحي. 
  • قدرة المجموعة على فهم رهان الفكرة المقترحة والعمل عليها دون عوائق نفسية أو إيديولوجية. 
  • محاولة العمل داخل المجموعة قصد بناء حوار تفاعلي عن طريق التمارين التي خصصها أيوب الجوادي بتقنية التبادل بين المجموعة من خلال الإستماع لحكاية عنصر منهم ،ثم امتداد الحكاية إلى بقية المجموعة وكأنها حكايتهم. 
  • الانتقال إلى تشييد خرافة حقيقية ومعايشة من عنصر في المجموعة  لتصبح خرافة المجموعة كلها. 
  • إرساء حالة من الانتماء الطاقي داخل المجموعة تكون ركيزتها اللعبة المسرحية والاتفاق المسرحي. 

التعرّف الأول.. 

تنوعت الطاقة بين أفراد المجموعة لطبيعة الاختلاف بينهم ،لكن عامل السن جمعهم فأغلبهم تتقارب أعمارهم بين سن العشرين إلى حدود الخمس والعشرين. كان التواصل بينهم قد بدأ داخل شكل الدائرة التي جمعت بينهم وبين المؤطر أيوب الجوادي. 

بدأت المجموعة بالعمل مع بعضها في إطار مهرجان قربة الوطني لمسرح الهواة في صيف 2016. 

تابعت المجموعة الأعمال المسرحية المرفقة بالنقاش ثم الورشات  والندوات. 

تنوعت تجارب المجموعة المسرحية التي رصد البعض منهم مسارا مسرحيا في مسرح الهواية مما جعل التناسق والتواصل ممكنا لفهم اللعبة المسرحية. 

بدأ العمل في ورشة الفوروم على قدرة المجموعة على التفاعل فيما بينها رغم التفاوت الذي حصل في المرحلة الأولى وهو يعود إلى عوائق طبيعية لكن تم تجاوزها وذلك يعود إلى اعتماد المؤطر على تشجيع المجموعة على تنمية قدرة التواصل على مستوى الطاقة وصولا إلى طاقة التعبير عن حكاية أو موقف ما عاشه فرد من المجموعة ليتم تبنيه من قبل المجموعة كلها ،لتصبح هذه الخرافة شكلا من أشكال التبني لوضعيات بعضهم البعض. 

ومن خلال هذه المرحلة بدأ المجموعة في التعرف على بعضها عن طريق تقاسم لحكايات، ثم اختلاف ردات الفعل عليها. 

في المجموعة هناك ثلاث اختلافات ايديولوجية تميزت بها عائلات أبناء السياسيين. 

ص.م من والدين ينتميان إلى أقصى اليسار وقد عايش معهما تجربة السجن والسرية والنشاط السياسي الممنوع. 

أ.م من أبوين من أقصى اليمين الديني وقد عاشت تحت وطأة تعذيب والدها ومعاناة التتبعات ثم السجن كما بينت معاداتها التامة لجدتها من الأب لأنها هي من أوشت بوالدها للبوليس ليتم إيقافه وسجنه ليغادره بعد الثورة سنة 2011. 

ن.ح هو ابن بوليس قام بتعذيب المتظاهرين في مركز الشرطة بقفصة في فترة المظاهرات التي شهدتها تونس خلال 2010.2011. 

لكنه في قطيعة تامة مع ما فعله أبيه كما أنه تنظم في صفوف الثورة وعايش فتراتها وكان فاعلا وحاضرا للمظاهرات المنددة بالقمع البوليس المتوحش خلال نفس الفترة كما أنه ناشط مسرحي في مسرح الهواية. 

بقية أفراد المجموعة عايشوا محطات ولحظات الثورة ليتكون عندهم وعي سياسي – حركي بالوضع العام من خلال تجاربهم المختلفة في المسرح. 

بين ورشة الفورورم وورشة الكتابة… 

تمثل الحضور المشترك اليومي بين الورشتين في صياغة مخطط عام لما سيتقدم في العرض. 

أبرز التخطيط منهجية العمل التي يشتغل عليها المؤطر أيوب الجوادي مع متابعة لكل جزئيات العمل كتابة لبلورتها دراماتورجيا. 

التباين بين الوضعيات المحكية والمقترحة من المجموعة ليت تفكيكها على المجموعة قصد بلورتها مسرحيا. 

كيف تتحول المواقف المعايشة لأفراد المجموعة نصا يمكن أن تخيطه المجموعة مع بعضها البعض مع تنسيق عضوي مع دور المحرك “الجوكر”. 

برزت معالم الخرافة التي سيتم العمل عليها والمتمثلة في ترميم ذاكرة الأبناء الذين عايشوا تجربة أبائهم السياسية ،لتنتهي اللعبة بمزج القضية الرئيسية “المصالحة” مع الزمن الحاضر قصد إمكانية بناء حاضر سياسي متوازن. 

قدم ص.م تجربته التي عايشها مع أمه وأبيه من خلال حكاية الاعتقالات التي حضر عليها في منزلهم ثم سجن أبيه ومحاصرتهم وزمن البطالة التي كانت بسبب المنع نتيجة نشاطهم السياسي السري. 

قدمت أ.م بصعوبة كبرى شهادتها وغضبها على جدتها وقد تم ذلك باعتماد تقنية الكتابة في شكل رسالة لتتقاسم قرائتها داخل المجموعة. 

حاولت بقية المجموعة الاشتغال على توزيع الأدوار بينهم من خلال الأحداث المقترحة ليقوم المؤطر أيوب الجوادي بتغيير المواقف قصد بلورتها والنقاش فيها ومن داخلها قصد بناء نقدي لخرافة كل منهم. 

من خلال هذه المرحلة المهمة استطاعت المجموعة تجاوز الثقل النفسي لحكاية كل منهم لتصبح الحكاية محركا دراميا يمكن أن نخلق من خلاله بداية ووسط ونهاية. 

توضحت معالم العرض الذي اشتمل على شكل الفروروم بين المجموعة والجوكر ثم في المرحلة التأليفية لتقديم العرض على جدل مع الجمهور الحاضر. 

بدأ العرض بتقديم المواقف السياسية التي عايشها كل واحد منهم ،ليتولى الجوكر “أيوب الجوادي” الدفع للجمهور قصد بناء حركة جدلية مع الآخر المتفرج الذي أصبح متفاعلا مع مايحدث أمامه. 

أدى هذا التفاعل بين العرض والمتفرج إلى لقاء مختلف ايديلوجيا  وهو ماجعل التواصل في لحظات محددة من العرض شديد الحدة. 

العرض…. 

تبنى العرض مسألة ترميم الذاكرة كرهان فكري فني يمكن أن ينبع من خلال تجربة مواطنية عايناها الأبناء من الجيل الحالي قصد بناء صرح يلتقي فيه الجرح بترميمه بناء ممكن يتعايش فيه الكل. 

تقدم العرض في قاعة مسرحية ليشمل مشاهد خاصة تتوازى مع أحداث سياسية يقوم الممثلين اللاعبين بالتعليق عليها لغاية عدم معايشتها فكان الخيط الزمني للأحداث داخل العرض يبدأ من الحوض المنجمي إلى أحداث الرش بسليانة مع عودة لكتابة ذاكرة سياسية مسرحية لشخصيات نضالية لليسار التونسي منها الفاضل ساسي ونبيل البركاتي. 

كما يخصص في العرض تجربة أ.م بقراءة رسالتها لجدتها وعتابها لها ثم تقديم ص.م لشاهدته حول ما عاشه مع والديه. 

ثم يتقدم ن.ح ليقدم اعتذارا أمام الجمهور وأفراد المجموعة باسم أبيه الذي ساهم في تعذيب الأبرياء. 

يتدخل الجوكر لتحريك التجارب ويقظتها ليتجه إلى الجمهور. 

تتقدم امرأة من الجمهور لترفض اعتذار ن.ح وتتهمه مباشرة على الركح برفضها للمصالحة وأنها لا تزال تعاني من غضب دفين لقتل أبيها تحت التعذيب ووطأة العيش تحت التتبعات لأكثر من عشرين سنة. 

تتدخل امرأة وهي أم ص.م وهي سجينة سياسية سابقة من الطيف اليساري لترفض تدخل المرأة الأولى لتخبرها بضرورة نسيان الأحقاد وعدم تمريرها للجيل الجديد الذي صنع الثورة ومد لنا الحربة . 

يظل الجوكر اللاعب الأساسي بين هذا التفاعل الذي برز في الجمهور وهو الهدف الأساسي الذي خلقه عرض الفوروم قصد النقاش والنقد والتفاعل مع مادة واقعية ووثيقة تاريخية مهمة من تاريخ تونس السياسي. 

احتد الجدل بين العمل والمتفرجين مصرا الجوكر على دفعه للأقصى التحليلي والتفكيكي ، ليتوج العرض بالنجاح في ترميم هذه الذاكرة من خلال الحديث عنها ثم محاكاتها ثم التفكير فيها ليتم تجاوزها ولو نسبيا في نفوس أفراد المجموعة المسرحية. 

سمي العرض بعنوان “ذكّر..” 

جاء العرض مرتكزا على آليات مسرحية قادرة على بلورة السياسي قصد بنائه مسرحيا ليرمم أجزاء الذاكرة المعايشة حقيقيا لتتحول إلى أثر فني شاهد على ما حدث. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنتدى تم إطالقه سنة 2017 في الدار البيضاء، بمشاركة ممثلين لستة دول من شمال إفريقيا وغربها.هو منتدى يجمع ممارسي المسرح االجتماعي بالقارة االفريقية، لتسهل االتصال بينهم

أهم الروابط

أهم الروابط

أهم الروابط